آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع سليمان بن محمد موسلمال

آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ٣٢

فسيّدنا محمّد ﴿ص﴾ لم يربط دعوته بسلوك قومه الذين آذوه بمختلف الإيذاء، وتعدّوا عليه بشتى الاعتداءات، فكان رأيه يصدر من أعلى مراتب التفهّم لأخلاقهم وتصرّفاتهم، ومن أخلاقه الرائعة التي تنبني على التسامح والتعاطف، فلم يطلب من الله أن يعذّبهم، أو ينتقم منهم، أو يجعلهم من أهل النار بل كان دعاؤه رحيما لطيفا، يصدر من قلب عطوف متفهّم لنشأتهم ومجتمعهم الذي عاشوا فيه وتربّوا على طباعه وتوجيهاته، فلم يحاول الانتقام أو أخذ الثأر منهم، وذلك رغم أنّ الله تعالى قد مكّنه منهم.

فدعا دعاءه المأثور: ﴿اللهم أغفر لقومي فأنّهم لا يعلمون﴾

نعم مكّنه الله من رقابهم ولكنه يريد ﴿ص﴾ أن يتمكّن من أرواحهم، لأنّ التسلّط على الرقاب شيء سهل ولا يدوم، وفيه نفاق كبير من ناحية المحكومين، وهذا يقع بالتسلّط والتجبّر بواسطة القوّة والسّلاح، ولكن التّحكّم في الروح شيء صعب ولا يستطيعه إلاّ من كانت روحه عظيمة، وأخلاقه عالية، ولأنّه يكون بواسطة المعاملة الحسنة الطيّبة والتسامح والعفو، ولا يكون فيه أيّ نفاق لا من ناحية الموجّه، ولا من ناحية الموجّهين.

والحكمة تقول: إن العظماء يتحكّمون في الأرواح، أمّا الجبابرة فيتسلّطون على الرّقاب.

علينا أن نملأ قلوبنا بالتسامح وأنفسنا بالاقتناع والتواضع والرضى، إذا أردنا أن نمتلك قلوب الآخرين.

وهذا إمامنا وقدوتنا نبينا محمّد ﴿ص﴾ يقول في توجيهاته للناس أجمعين: ﴿إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق﴾.

فقد كان ﴿ص﴾ قلبه مملوءا بالحبّ لأولئك الذين أساءوا إليه، وتعدوا عليه، وهكذا يريدنا أن نكون.

قلوبنا مليئة بالحبّ لكلّ اولئك الذين يريدون أن يسيطروا على أفكارنا ويتحكّموا في توجيهاتنا حتى نعيش مرتاحي البال مشتغلين بما ينفعنا وينفع مجتمعنا وأوطاننا والبشرية جمعاء من العمل والبناء والتعمير.

٣٢ / ١٨٩