آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع سليمان بن محمد موسلمال

آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ٣٤

إنّ الصحّة الحقيقية للإنسان ليست بكبر الجسم وضخامته وتغلّبه على كلّ الناس، لأن هذه الحالة يشترك فيها حتّى الحيوان، وربّما الحيوان أضخم وأقوى منه، ولكن قوّة الإنسان تكون بالتحكّم في غرائزه وإعمال عقله في كلّ ما يعرض له في هذه الحياة، وتحكّمه في غضبه أثناء تلك الفترة الحرجة التي يفور فيها دمه، ويتسلّط عليه الشيطان فيقوده كيف يشاء ويملي عليه ما يريد، لأنّه في ذلك الوقت يجري منه مجرى الدم، ليشعل فيه نار الغضب والانتقام.

فعن أبي هريرة ـرضي الله عنه ـ عن النبيء ﴿ص﴾ أنّه قال: ﴿ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب﴾. … ر … رواه البخاري ومسلم.

وربّما يقول بعض الناس إنّ هذا جبن وضعف وتخاذل أمام هؤلاء المتعدّين الظالمين، إنّه ليس كذلك لأن ما يجلب الخير والأجر والرحمة لك وللناس من حولك فذلك هو الخير كلّه، وأكبر من ذلك وأفضل ما تناله من الأجر الوفير والدائم عند الله تعالى يوم القيامة.

وهذا يدلّ كذلك على رفعة النفس وسموّ الروح وعلى شهامة، وشجاعة على اتّخاذ القرار الصحيح الذي يريح ضمائرنا ويجلب لنا السلام والتعاون مع من حولنا من الناس، ويدلّ على أنّ صاحب هذا القرار يوجد في كامل قواه العقلية والفكرية، لأنه استطاع استعمالها بطريقة حسنة في مثل هذا الموقف الحرج، ونتيجة لذلك لم يستطع ذلك المتعدّي أن يتحكّم فيه وأن يوجّهه كما يريد، ولم يقدر على استثارة غضبه وتهييج نفسه.

إنّ كلّ إنسان في هذا الكون يعطي ما لديه ويتصرّف بالطريقة التي تعلّمها في حياته، فمن المستحيل بالنسبة لشخص يحمل داخل نفسه شحنات من الحبّ والتعاطف والتسامح، وتربى على ذلك داخل أسرته ومجتمعه أن يعطي الكراهية والحقد والانتقام.

وكذلك بالنسبة للشخص الذي لا يملك مثل هذه الأخلاق الكريمة، فإنه من المستحيل أن يتفضّل بها على بني جنسه.

٣٤ / ١٨٩