آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع سليمان بن محمد موسلمال

آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ٤

لقد دفع ثمن العشريّة السوداء حسّا ومعنى، هذه الفترة العصيبة التي مرّت عليه، وما فيها من إزهاق الأرواح، وإراقة للدماء، وتخريب وتدمير للممتلكات، ولكنّه أدرك أنّه أصبح من الواجب عليه أن يتسامى نهائيا فوق هذه المأساة التي لا يستفيد منها أيّ أحد، والتي يجب أن لا تتمثل في مجادلات نظرية مجرّدة، بل أن يحقّق ذلك في الواقع الملموس والمحسوس، وذلك من أجل سلامة وطنه وضمان رقيّه وأمنه وإرجاع مكانته وثقته التي كان يتمتّع بها عند الشعوب الأخرى.

إنّ هذا التسامي مسألة حيويّة، وهي تحقّق أمن الممتلكات والأرواح والأعراض، وكلّ ما له حرمة وقيمة لتحقيق حياة كريمة فاضلة، والتي يتمنّاها كلّ عاقل يريد أداء دوره في الحياة كاملا غير ناقص، وهو البناء والتشييد والإعمار وتحقيق الخلافة التي أرادها الله تعالى لهذا الإنسان الذي كرّمه وفضّله على كثير ممّن خلق تفضيلا.

قال تعالى:

﴿وإذ قال ربّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة﴾. … س … سورة البقرة ـ آية: 29.

وقال تعالى: ﴿ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر ورزقناهم من الطيّبات وفضلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلا﴾. … س … سورة الإسراء ـ آية: 70.

إنّ الشعب الجزائري تغلّب على هذه المحنة النكراء بفضل توجيهات قيادته الرشيدة، والتي كوّنت فيه الحسّ المدني اللازم لتجاوزها، وبفضل إصرار الشعب واستماتته في نشر الأمن والسلام، لأنّه متيقّن بكلّ عمق بأنّ ذلك في فائدته وفائدة الأجيال الصاعدة من أولاده وحفدته، ولكي ينتزع من تصوّرها ذلك التعصّب المقيت والحميّة الجاهليّة التي تقتل وقته دون فائدة لدنياه أو آخرته، وتستنزف منه كلّ قواه التي هو في أشدّ الحاجة إليها لبناء جزائر الحرّية والاستقرار والرخاء والوئام والسلام.

٤ / ١٨٩