آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٤٠وقد ظهر لكلّ ذي عقل وتفكير سليم على مرّ الأعوام، وتعاقب السنين وفي مختلف البلدان أنّ كلّ الذين يتباكون على الحريّة هم أنفسهم أعداؤها، وإذا توصّلوا إلى أهدافهم المزعومة بعد بكاء طويل لا يرون لهم معاشا ولا تحلوا لهم حياة إلاّ إذا حطّموها.
إنّ هذا التدافع بين الناس في هذا الكون، جعله الله تعالى ليبيّن لهؤلاء الطغاة المتجبّرين الذين ينشرون الخوف والتدمير في هذا العالم أن مآلهم إلى الفناء هم كذلك، كما يفعلون بالأبرياء المسالمين.
فهم قد نازعوا الله ملكه وتدبيره وتسييره لهذا الكون، فإنّهم لا يخلدون في هذه الحياة باقترافهم لهذه الأعمال من تقتيل الشعوب وتخويفها ليستولوا عليها ويستعبدوها، ولا بزعمهم كذلك أنّهم يتحكّمون في هذا الكون ويسيّرونه كما يشاؤون، ويطبّقون القوانين التي يختارون على من يريدون، يعاقبون هذا، ويعفون عن ذاك، ورغم ذلك فقد سلّط الله على نفوسهم القلق والاضطراب بما يرون من صمود المظلومين وتحدّيهم لهم بكلّ عزيمة وإصرار، يفرضون المقاطعة الاقتصادية على هؤلاء، ويغدقون الخيرات على اولئك، يستحوذون على خيرات هذه الشعوب ويتصدّقون بها على الشعوب الأخرى ممّن يختارون.
إنّهم رغم ما يقومون به من التسلّط والتجبّر لا يستطيعون أن يقطعوا عن تلك الشعوب الأمل في الحياة، وبناء مستقبلها، ولا أن يوقفوا عجلة الحياة في هذا الكون، لأنّ كلّ ذلك من تدبير المولى عزّ وجلّ وحده فرغم ما يقومون به فالشعوب ما زالت تبني وتتزوّج وتلد، وتزرع وتنتج.
إنّه لا يستطيع أحد مهما أوتي من قوّة وجبروت وسلطان أن يوقف عجلة الحياة، ولو أنّه ملك الدنيا وما فيها يتصرّف فيها كما يشاء وكما يريد.