آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٤٤قال تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فضّا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين﴾.
سورة آل عمران ـآية:159.
وقد تواضع ﴿ص﴾ للناس جميعهم مسلمهم وكافرهم، صغيرهم وكبيرهم، فقيرهم و غنيهم، ذكرهم وأنثاهم، وخفض جناحه لجميع خلق الله، يمشي في الأسواق ويجلس على التراب، ويمتزج بأصحابه وجلسائه فلا يتميز عنهم إلا بإطراقه وحيائه، فصار معروفا بالتواضع وبالعفو والصفح عند القريب والبعيد.
ولا يخفى على عاقل درس سيرته بكل موضوعية كيف كانت معاملته لأهل مكة والطائف ورؤساء الفتنة وزعماء الشر والنفاق.
ولمّا دخل مكة المكرمة فاتحا مظفرا منتصرا، شمل عفوه البلاد والعباد، والسادة والعبيد، والزعماء والعامة، الرجال والنساء، وجميع الذين عتوا في الأرض وأسرفوا في إيذائه واضطهاده.
ومن ذلك لما دخل الرسول ﴿ص﴾ مكة يوم الفتح الأكبر، أبى عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وسهل بن عمرو، ومن جمعوا من الناس إلا محاربة الرسول ﴿ص﴾ وأصحابه، ولكنهم لما هزموا وفروا طلبوا الأمان فوهب لهم، بل عفا عنهم جميعا، وزادهم وأعطاهم من غنائم هوازن تأليفا لقلوبهم وجلبهم إلى الإسلام.
قال الشاعر:
شهد الأنام بفضله حتى العدا … والفضل ما شهدت به الأعداء.
وكيف لا تشهد له الأعداء بمثل هذه الأخلاق العظيمة الشريفة والكريمة، وهو الذي قد مني بجفوة الأعراب فلم تسجل عليه زلة في معاقبتهم، ولا هفوة في الانتقام منهم.
إنه لم يسجل في التاريخ البشري حليم أكبر منه، ولا كريم أفضل منه، فهو رؤوف بأمّته، عطوف على الخلق أجمعين، لقد نالته قريش بكل كبيرة وقصدته بكل جريمة، ومع ذلك لم يروا منه إلا الصبر على أذاهم والإعراض عنهم.
وقال لهم جميعا يوم الفتح وقد اجتمعوا إليه: