آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٤٦وفي مكة وهو يطوف بالبيت الحرام أراد فضالة بن عمير أن يقتله، فلما دنا منه قال ﴿ص﴾: أفضالة؟ قال: نعم، فضالة يا رسول الله.
قال ﴿ص﴾: ما كنت تحدث به نفسك؟ قال فضالة: لا شيء كنت أذكر الله عز وجل، فضحك رسول الله ﴿ص﴾ ثم قال: أستغفر الله، ثم وضع يده على صدره، فسكن قلبه، فكان فضالة يقول: والله، ما رفع يده ﴿ص﴾ عن صدري حتّى ما من خلق الله شيء أحبّ إليّ منه.
ولما اطمأنّ الناس بعد فتح مكّة، قام رسول الله ﴿ص﴾ على باب الكعبة، فقال: ﴿لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كلّ مأثرة، أو دم أو مال يدعى، فهو تحت قدمي هاتين، إلاّ سدانة البيت وسقاية الحاجّ﴾.
﴿يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتعظّمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب﴾. ثم تلا قوله تعالى:
﴿ياأيها إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا … إن أكرمكم عند أتقاكم إن الله عليم خبير﴾
سورة الحجرات ـآية:13.
ثم قال: ﴿يا معشر قريش: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء﴾.
وها هي ذي ثقيف كلها بين يديه ووفدها في المدينة، وقد أكلتها العرب، وهانت على الناس، فماذا فعل بها، وكان في وفدها رجل مثل عبد ياليل بن عمر بن عمير الذي طرد رسول الله ﴿ص﴾ من الطائف.
أما مالك بن عوف، فكان أول من سبق إليه عفو رسول الله ﴿ص﴾ فردّ إليه ماله وأولاده.
وأما ثقيف فقد ردّ رسول الله ﴿ص﴾ سبيها واشتراه من أصحابه وتحمّله دينا عليه، ليعطيه أعداءه الذين كادوا يقضون على الإسلام يوم حنين.
ومن حلمه وصفحه وعفوه أن حبرا من أحبار اليهود واسمه: زيد بن سعنة، وكان قد درس صفات النبوّة وعرف علاماتها في رسول الله ﴿ص﴾ وبقيت علامتان لم يعرفهما وهو يريد التعرف عليهما.
الأولى: أن يسبق حلمه غضبه.
الثانية: أنه لا تزيد شدة الجهل عليه إلا حلما.