آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٤٧فكان هذا الحبر ينطلق ويخالط النيئ ﴿ص﴾ يريد أن يختبره، وذات مرة جاء أعرابي يشكو إليه شدة العيش والفقر والاحتياج في إحدى القرى والحبر يسمع.
فقال الحبر: أنا أشتري لك كذا وكذا وسقا من تمر بكذا وكذا، وأخرج المال، فاشترى الرسول ﴿ص﴾ الثمر وأعطاها للرجل، واتفقا على موعد معلوم يقضيه الرسول ﴿ص﴾ فيه دينه، ولكن الحبر جاءه قبل الموعد المحدد.
يقول الحبر: دنوت من النبيء وجدبت برديه جدبة شديدة حتى سقط عن عاتقه، ثم أقبلت عليه بوجه غليظ، فقلت له:
ألا تقضيني ديني يا محمد، فوالله، إنكم يا بني عبد المطلب لمطل، ولقد كان لي بمخالطتكم علم.
وكان عمر بن الخطاب، رضي الله، عنه حاضرا، فغضب شديدا وقال:
أي عدو الله، أتقول هذا لرسول الله ﴿ص﴾؟ فوالذي بعثه بالحق لولا ما أخاف فوته لسبقني رأسك، ورسول الله ﴿ص﴾ ينظر إلى عمر ويبتسم لقوله.
ثم قال ﴿ص﴾: لأنا أحوج إلى أفضل من هذا، أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن التقاضي، اذهب به يا عمر فاقض له حقه، وزده عشرين صاعا من تمر مقابل ما روعته (أي مقابل ترويعك إياه).
وهنا سكنت نفس زيد واطمأنت حيث وجد العلامات التي كان يبحث عنها في رسول الله ﴿ص﴾.
فذهب عمر، فقضاه دينه، وزاده صواعا من تمر كما أمره رسول الله ﴿ص﴾، ثم قال له زيد:
أتعرفني، يا عمر، قال: لا، فمن تكون؟
قال زيد: أنا زيد بن سعنة، قال عمر: الحبر، قال: نعم، الحبر قال عمر: فما دعاك أن تفعل بالرسول ﴿ص﴾ ما فعلت، وتقول له ما قلت؟ فأجاب: إنّي أريد أن أختبر عفوه ﴿ص﴾ وصفحه.
ومن كمال عفوه ﴿ص﴾ ما رواه أنس-رضي الله عنه- حيث قال: كنت مع النبيء ﴿ص﴾ وعليه برد غليظ الحاشية: فجذبه أعرابي بردائه جذبة شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عاتقه الشريف، ثم قال: يا محمد: أحمل لي على بعيري هاذين من مال الله الذي عندك: فإنك لا تحمل لي من مالك: ولا من مال أبيك.