آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٤٩قال شيبة: فكنت مترصدا لما خرجت له، لا يزيد الأمر في نفسي إلا قوة، ووجدت الفرصة سانحة حين تفرق المسلمون عنه.
قال: فأخرجت سيفي ودنوت منه أريد ما أريد منه، ورفعت السيف حتى كدت أسوره، فرفع لي شواظ من نار كالبرق كاد يخطف بصري، فوضعت يدي على بصري خوفا عليه.
وفي رواية ابن إسحاق قال: فأردت رسول الله لأقتله، فأقبل شيء حتى تغشى فؤادي فلم أطق ذلك، فناداني رسول الله ﴿ص﴾ قائلا: يا شيبة ادن مني فدنوت، فمسح صدري، ثم قال: اللهم أعده من الشيطان.
قال: فوالله لهو ساعتئد أحبّ إلي من سمعي وبصري ونفسي، وأذهب الله ما كان بي، ثم قال: ادن منّي وقاتل.
قال: فتقدّمت أمامه أضرب بسيفي، الله أعلم أنّي أحبّ أن أقيه بنفسي من كلّ شيء، ولو لقيت تلك الساعة أبي لو كان حيّا لأوقعت به السيف.
إنّه عفو الرسول ﴿ص﴾ وسماحته، وسموّ أخلاقه التي اصطفاه الله بها فقهر أعداءه وكسب قلوبهم، وجعلهم يحبّونه أكثر من أنفسهم وأهليهم وأموالهم بعد أن كانوا يريدون قتله، وإن الأخلاق السامية تفعل الأعاجيب، وتترك الأثر الحسن في قلب الإنسان بحيث ينقلب من عدوّ لدود إلى صديق حميم.
ولقد صدق ربّنا إذ يقول: ﴿فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه وليّ حميم﴾ … سورة فصلت ـ آية:34 ..
وهذا شيبة العدوّ الألدّ للرسول ﴿ص﴾ ذهب حاملا سيفه ليقتله وقلبه مملوءا بالغيظ والانتقام، ولكن بسماحة الرسول ﴿ص﴾ وعفوه وحسن كلامه صار يدافع عنه، ويفديه بنفسه.
ـ الخلاصة
إنّ من أجمل ما يتحلّى به الإنسان في هذه الحياة من الأخلاق الكريمة، العفو وكظم الغيظ، وهي صفة نبيلة كريمة، لا يتحلى بها إلاّ ذوو النفوس الكبيرة، وأصحاب العقول الراجحة، والنظر البعيد، وذلك كما كان رسولنا محمّد ﴿ص﴾ متّصف بذلك ومطبّق له في حياته بكلّ قوّة وإخلاص.