آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٥٠أمّا حبّ الإنتقام والأخذ بالثأروالظلم والإعتداء فلا يكون إلاّ من أصحاب النفوس الصغيرة المريضة، التي فقدت توازنها، وطاش صوابها، فانحرفت عن سواء السبيل.
والتجاوز عن سيّئات الناس والعفو عنهم ومسامحتهم تنزع العداوة من القلوب، وتغرس فيها المودّة والمحبّة والرحمة، وترسي قواعد الوحدة الإجتماعية، والتماسك بين الأفراد.
فالإنسان الصالح للحياة هو الذي يقابل السيّئة بالحسنة، لأنّه يعلم جيّدا أنّ الإنتقام والأخد بالثأر تجرّ أفراد المجتمع إلى سلسلة من الأعمال العدوانيّة التي لا تنتهي ولا تنقطع، وأنّه لا يلجأ إلى ذلك إلاّ ضعيف النفس سريع الإنفعال، امّا متوازن النفس، الواسع الصدر، القويّ التحمّل، فإنّه يقطع هذا الحبل الذي يسبّب العداوة والتباغض والتنافر.
فعظيم النفس الذي يعفو ويصفح عن إخوانه وعناصر مجتمعه هو كالبحر لا يكدّر صفوه حفنة تراب، أو حجر رمى بهما صبيّ صغير العقل قصير التفكير ولسان حاله ينشد في افتخار واعتزاز:
وما يفيد البحر أمسى زاخرا … أن رمى فيه غلام بحجر.
إنّ الإنسانيّة إذا ما تمسّكت بهذا الخلق النبيل، فإنّها ستدفع عن نفسها كثيرا وكثيرا من المساوي والمحن التي تصلى نارها كلّ حين وفي كلّ مكان، ولأبعدت عن نفسها كثيرا من الحروب والتعدّيات التي تئنّ تحت وطأتها، وتتحمّل نتائجها السيّئة في كلّ الأحوال.
آثار العفو والصفح.
إنّ حالة الحياة منغّصة اللذات، كثيرة التبعات، متعدّدة التلوّن، لا تستقرّ على حالة واحدة أبدا، فتارة تبعث الأمل والتفاؤل في النفوس، وتبهجها وتفرحها، وتملأها صحّة وراحة وعافية وإقبالا عليها وتارة أخرى توجّهها الوجهة السلبية، فتسلّط عليها القلق والحزن والمرض، فتنظر إليها النفس نظرة تشاؤم وانقباض ويأس.