آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع سليمان بن محمد موسلمال

آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ٥١

ولن نجد نفسا أو بيتا أو مجتمعا في هذا الكون إلاّ وفيه ما يكدّر الصفو، وينغّص العيش بين قليل أو كثير، والإنسان لا يستطيع أن يطفئ نار حزنها وألمها إلاّ بالنظر إلى الجهة الإيجابية فيها أكثر من التفكير في الناحية السلبية منها.

وهكذا أراد خالق هذا الكون والإنسان أن يجعل حالة الدنيا، فهي جامعة للضدين والحالتين معا، الخير والشرّ، الفرح والحزن، الصحّة والعافية، الصلاح والفساد، كلّ ذلك حتى يظهر الخير الكامل الذي لايشوبه أيّ فساد غدا يوم القيامة.

ومن أرادها صافية خالصة، فهو كمن يطلب في الماء جدوة نار.

فالإنسان العاقل هو الذي يتقبّلها على حالاتها المختلفة والمتنوّعة دون تدمّر أو قلق، يساير الاتجاهين المتضادين، ويعلم جيّدا أنها لا تصفو لأحد، ولو كان الله تعالى قد قدّر لها أن تستقيم على حالة واحدة من الصفاء والسرور، لاستقامت لخير خلق الله أجمعين، والأنبياء والمرسلين، ولكن نجد العكس تماما فهم الذين أصيبوا وعذبوا وظلموا أكثر من غيرهم، وتحمّلوا ما لا يستطيع أحد أن يتحمّله غيرهم.

فعلى كلّ مخلوق في هذا الكون أن يعلم هذا ويتيقّن به، وعليه أن يسدّد ويقارب ويعفو ويصفح، ويتحمّل كلّ ما فيها ويصبر على ذلك الصبر الجميل، يكافح ويعمل، ويأخذ ما تيسّر ويترك ما تعسّر، ويغض الطرف عن الأشياء السلبية فيها.

وكيف تصفو الحياة لأحد من الناس، أم كيف يهنأ فيها أحد، وعدوّ الإنسان إبليس له بالمرصاد، يعكّر عليه صفو عيشه، ويثقل حمله ويبعث الشّكّ في نفسه حتّى يشكّ أخيرا في قدرة ربّه وقضاءه وقدره، ويتهمّ غيره من الناس بغير حقّ بأنّهم هم الذين يقومون نحوه بما يقومون به مما ينغّص حياته.

تنظر في خلق الله يمينا وشمالا فلا تجد إلا ّمبتلا في أحد مقوّمات حياته، جسمه أو أهله أو ولده أو ماله، إذا سلم في هذا تجده مصابا في آخر.

٥١ / ١٨٩