آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٥٣فهو تعالى يسلّط بعض الخلق على بعض ليختبرهم، ويمتحنهم فيعلم ذوي القلوب الرحيمة المسامحين والعافين عن الناس، وذوي النفوس الصبورة التي تصبر على ابتلاءاته، وأصحاب العفو والغفران فيصطفيهم ويجعلهم من عباده المخلصين ومن أهل الجنّة والرضوان.
فهذا رسولنا ﴿ص﴾ وغيره من الرسل عذّبوا وشتموا وجرحوا وأخرجوا من ديارهم وأهليهم وأموالهم، واتّهمت زوجاتهم من طرف أعدائهم، ولكنّهم مع كلّ ذلك فوّضوا أمرهم إلى ربّهم وتوكّلوا عليه، ووثقوا بوعده، ورضوا بمصابه، وحسّنوا ظنّهم به، وتحلّوا بالأخلاق السامية الحسنة تجاه ظالميهم، ولم يجازوا السيّئة بالسيّئة، بل قابلوها بالحسنة، فكان لهم ذلك صحّة وعافية في أجسامهم ورحمة وطمأنينة في مجتمعهم وعلى أعدائهم فدخلوا في دين الله أفواجا.
فكلّ من يريد أن يحمي نفسه في هذه الحياة من الهموم والأمراض، ويحافظ على عقله سليما، وعلى صحّته معافى، ويجد الراحة والسعادة في وسط تلك المشاكل والمصائب المبتلى بها، فعليه أن يتوكّل على ربّه القوي الجبّار المتكبّر، ويفوّض أمره إلى خالقه الرحمان الرحيم، ويتسلّح بالسلاح الذي لا يكلّ ولا يبلى.
وهو قوله تعالى في شأن عباده المؤمنين:
﴿الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾
سورة ءال عمران ـ آية:173.
ومن خاف من عدوّ، أو رعب بظالم، فعليه أن يهتف ويقول: ﴿حسبي الله ونعم الوكيل﴾.
فهذا ممّا يشرح صدر العبد أمام كلّ ظالم ظلمه، ومتعدّ تعدّى عليه ويزيح عنه سحب الهمّ والغمّ، ويعيش مرتاح البال، قويّ النفس، وهو يشعر في وسط كلّ ذلك بالراحة والطمأنينة.
وهذا أبونا إبراهيم ظلمه قومه ورموه في النار، ولكن بفضل توكّله على ربّه وإرجاع أمره إليه، ويقينه فيه أنّه لايضيّعه، وجد في وسط النار الملتهبة بردا وسلاما وطمأنينة وأمانا، فخرج منها سالما معافى.