آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٥٥إنّ ذلك الظلم السخيف، والتعدّي المذموم من الظالمين اعترافا منهم غير مباشر بقيمته وقدره وتقدّمه ورفعته، فهم يريدون بعملهم هذا أن يدخلوه في دوّامة الخسارة والتقهقر والضعف، حتّى يبقى دائما وأبدا في أسفل السلّم، ولا يبلغ الدرجة التي بلغوها، فيبقى دائما تحت رحمتهم وسيطرتهم، إنّه ترجمة منهم ـ وهم لا يشعرون بذلك ـ لشخصيته ومكانته المحترمة.
ـ وبقدر وزن الشخص يكون النقد الآثم الموجّه إليه ـ
والمثل يقول: (إنّ الناس لا تركل كلبا ميّتا).
إنّنا لا نستطيع أن نغلق أفواه هؤلاء الظالمين الحاسدين، ولا أن نربط أيادي اولئك المعتدين، ولكنّنا نقدر على دفن ظلمهم وتجنّيهم، بتجافينا عنهم والإعراض عن أعمالهم، وعدم الاهتمام بشأنهم وكلّ ذلك بالتسامح والعفو. فنقول لهم: ﴿قل موتوا بغيظكم﴾.
بل المسلم المتيقّن بأجر ربّه ومغفرته ورحمته ورضوانه، لا يغفر فقط بل يزيد من فضله على اولئك المخدوعين، ويرشد ويعين مثل هؤلاء المغرورين.
فهو يوزّع البسمات المشرقة على ضعفاء النفوس، ويعتبرها صدقة جارية يرجو ثوابها وجزاءها عند ربّه، فكلّما طاف به طائف من همّ، أو ألمّ به غمّ منح معروفه لغيره من الخلق، وأسدى جميله لهم فيجد الفرج والرّاحة.
وهل هناك جميل وهل هناك معروف أفضل وأحسن من مسامحة الظالمين، ونسيان عداوة المعتدين، والتغاضي عن شماتة الحاسدين.
فالعفو والغفران من صفات العزيز الجبّار جلّ وعلا في جلاله وسلطانه، وهو القادر أكثر من أيّ أحد على الانتقام ومعاقبة كلّ متكبّر جبّار، يبغي الفساد في الأرض.
وهو القائل تعالى: ﴿إنّ الله كان عفوّا غفورا﴾.
سورة النساء ـآية:43.
والقائل: ﴿فإنّ الله كان عفوّا قديرا﴾.
سورة النساء ـآية:149.