آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٥٧قال ابن القيّم ـ رحمه الله ـ ومن حكمة ربّنا عزّ وجلّ أنه عرّف عباده أن لا سبيل لهم إلى النجاة إلاّ بعفوه ومغفرته وأنّه رهين بحقّه، وإن لم يتغمّدهم بعفوه ومغفرته، فهم من الهالكين لا محالة، فليس أحد من خلقه إلاّ وهو محتاج إلى ذلك، كما هو محتاج إلى فضله ورحمته.
والعفو والغفران من الله هو أن يصون العبد من أن يمسّه العذاب، وكما يكون ذلك من الله العلي في قدره ومكانته، الحكيم في حكمه وتدبّره، فهو من العبد لأخيه واجب، ومن باب أولى لأنّه يكون من الندّ إلى الندّ، ومن الأخ لأخيه، فهم متساؤون في الدرجات والأعمال، فكيف لا يتحلّون بهذا الخلق، ولا يطبّقونه في حياتهم.
قال الشاعر: غفرنا وكانت من سجيّتنا الغفر.
ولأهميّة العفو والغفران في حياة الإنسان فقد تكلّم العلماء فيهما كلاما واسعا وشرحوهما بتفصيل كبير.
فقالوا: ـ إنّ الغفران يقتضي إسقاط العقاب، ونيل الثواب، ولا يستحقّه إلاّ مؤمن، ولا يكون إلاّ في حقّ الله عزّ وجلّ.
ـ أمّا العفو فإنّه يقتضي إسقاط اللّوم والذمّ، ولا يقتضي نيل الثواب، ويستعمل أيضا في حقّ العبد.
ـ إنّ العفو قد يكون قبل العقوبة أو بعدها، أمّا الغفران فلا يكون معه عقوبة البتّة، ولا يوصف بالعفو إلاّ القادر عليه.
ـ في العفو إسقاط للعقاب، وفي المغفرة ستر للذنب وصون من عذاب الخزي والفضيحة.
فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ـرضي الله عنهما أنّ عطاء بن يسار سأله أن يخبره عن صفة رسول الله ﴿ص﴾ في التوراة، فقال:
أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض ما صفته في القرآن.
يأيها النّبيء إنّا أرسلناك شاهدا ومبشّرا ونذيرا، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سمّيتك المتوكّل، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يدفع السيّئة بالسيّئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملّة العوجاء بأن يقولوا:
لا إله إلاّ الله، ويفتح به أعينا عميا، وآذانا صمّا وقلوبا غلفا.