آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٥٩والرسول ﴿ص﴾ يبيّن للناس أنّ العفو والمسامحة لا تزيد صاحبها إلاّ عزّة ومكانة، وذلك حتى يتمسّكوا بهذا الخلق العظيم، خلق الأنبياء والمرسلين، ويقول:
عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ﴿ص﴾: ﴿ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلاّ عزّا، وما تواضع أحد لله إلاّ رفعه الله﴾. … رواه مسلم.
وعن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: كأنّي أنظر إلى النبي ﴿ص﴾ يحكي نبيّا من الأنبياء، ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدّم عن وجهه و يقول:
﴿اللهمّ اغفر لقومي فأنّهم لا يعلمون﴾.
ولماذا لا يسمح ولا يعفو من هو على الحقّ، ويؤمن جيّدا بأنّه على أساس صحيح، ويعلم أنه مؤيّد من ربّه وهو معه ينصره ويدافع عنه، ويجازيه الجزاء الحسن إذا طبّق ما أمره، ويعلم أنّ خصمه على باطل، وعلى شفا حفرة من النار، وليس له الحجة الصحيحة ليدافع بها عن آرائه ومبادئه، فلذلك فهو يقوم بما يقوم به من التخريب والتدمير ليفرض رأيه على الناس بالقوّة، وليظهر لغيره أنّ له مذهبا مخالفا لمذهبهم، فهو يدعو إليه بالقوّة والإرغام والتخويف، إنّه يعيش في دوّامة من العنف الداخلي مع نفسه ومن المتناقضات، ولا يستقرّ على حال في تفكيره، ولا يثبت في قراراته فلذلك فهو يقوم بما يقوم به.
ولمّا علم المسلمون الأوائل ـ ويساندهم في ذلك رسول الله ﴿ص﴾ ـ أنّهم على الحقّ من ربّهم، وأنّ أعداءهم على الباطل، ولا حجّة معهم، وأنّ ناصرهم هو الشّيطان، قابلوا ظلمهم وتعديهم بكلّ قوّة وشجاعة ويقين بما عند الله تعالى.