آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع سليمان بن محمد موسلمال

آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ٦٠

فعلى مسلمي هذا العصر أن يقتدوا بسيرة نبيّهم ويمتثلوا سنّته، ويفعلوا مثل ما فعل آباؤهم وأجدادهم حيث عفوا وأصفحوا عن القريب والبعيد، عن الصديق والعدوّ، فحفضوا بذلك عزّة دينهم، ورفعوا مكانتهم وهم يعيشون في وسط أعدائهم، يتعاملون معهم بكلّ ثقة وأمانة ونصح، يحرسون حرمات المتساكنين معهم ولو كانوا من غير ملّتهم تماما كما يدافعون عن حرماتهم أو أكثر.

ولنا أمثلة كثيرة ومتعدّدة عن عفو الرسول ﴿ص﴾ وتواضعه لكلّ من يعاشره من الناس.

فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: ما ضرب رسول الله ﴿ص﴾ شيئا بيده قطّ، ولا امرأة، ولا خادما، إلاّ أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قطّ فينتقم من صاحبه إلاّ أن يهتك شيء من محارم الله تعالى، فينتقم لله عزّ وجلّ.

وعن جابر بن عبد الله ـرضي الله عنه ـ أنه غزا مع النبيء ﴿ص﴾ قبل نجد، فلمّا رجع معه، أدركتهم القائلة في واد كثير الحصاة، فنزل رسول الله ﴿ص﴾ وتفرّق الناس يستظلّون بالشجر، فنزل تحت شجرة وعلّق سيفه، ونمنا نومة، فإذا رسول الله ﴿ص﴾ يدعونا، وعنده أعرابي.

فقال ﴿ص﴾: إنّ هذا الأعرابي اخترط عليّ سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتا.

فقال: من يمنعك مني؟ فقلت الله تعالى (ثلاثا) ولم يعاقبه وجلس.

رواه البخاري ومسلم.

هذا هو رسول الرحمة والعافية العظيم في أخلاقه ﴿وإنّك لعلى خلق عظيم﴾ الكريم في عفوه مع أعدائه، المتواضع في مسامحته مع الناس أجمعين، يصفح ويعفو حتى عمن يريد قتله وهذا هو أعلى درجات الكرامة، وأكثر من ذلك أنّه لم يؤنّبه ولو بكلمة نابية واحدة يعرب له فيها عن سخطه وغضبه، وكلّ ذلك في سبيل نيل رضى ربّه والفوز بأجره وتحبيب دينه للناس.

٦٠ / ١٨٩