آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع سليمان بن محمد موسلمال

آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ٦٢

إنّه ابن خالته (مسطح بن أثاثة)، وكان ينفق عليه من ماله لشدّة فقره، ولم يمنعه ذلك الإحسان من ظرف أبي بكر أن يتكلّم في عرض ابنته، وما كان ينبغي أن تصدر منه مثل هذه الإساءة، وهو يعرف عائشة معرفة جيّدة، يعرف عفّتها ومكانتها عند الرسول ﴿ص﴾ وعند أبيها.

ولكن بحكمته تعالى شاء أن تقع مثل هذه الوقائع، حتّى يظهر الأخلاق الحقيقية والصحيحة للدّين الإسلامي، ويرشد إليها المسلمين فيطبّقوها في واقعهم فيتعجّب منها المشركون ويدخلون في هذا الدّين.

وبعد أن برئت ساحة عائشة جلد مسطح، وأقسم أبو بكر أن لا ينفق عليه، ويبدو أنه لو كان أيّ شخص آخر مكانه لفعل مثل ما فعل، بل ربّما أكثر ممّا فعل، ولكنّ الله تعالى لم يرضى بهذا الانفعال من أبي بكر، فأنزل قرآنا يتلى يأمره أن يرجع النفقة إلى مسطح.

فقال تعالى:

﴿ولا ياتل اولوا الفضل منكم والسعة أن يوتوا اولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبّون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم﴾ … سورة النور ـ آية:22.

وبمجرّد أن سمع ذلك أبو بكر قال:

بلى يا ربّ إنّنا نحبّ أن تغفر لنا، والله لا أقطع النفقة عنه أبدا.

وهكذا لم يتردّد أبدا ولم يناقش أمر ربّه، ولم يستصعب العودة إلى الإنفاق على مسطح بعد ما قام به من اتهام ابنته ـ رضي الله عنها ـ وكأنّ الله يقول لأبي بكر ألم تكن في الجاهلية على دين قومك قبل دخولك إلى الإسلام؟ وقد غفرت لك كلّ ما صدر منك من عمل جاهلي، فلماذا لا تغفر أنت ذلك لمن أساء إليكم، ألم أهدك إلى الإسلام بفضلي ورحمتي؟ وقد اخترتك لتكون صاحب الرسول ﴿ص﴾ القريب منه أكثر من أي أحد، وقد فضلتك بمصاحبة رسولي في هجرته، أليس كلّ ذلك فضل مني عليك، فكما تفضّل الله عليكم فتفضلوا أنتم كذلك على من أساء إليكم، واغفروا وارحموا فإنّ الله غفور رحيم.

٦٢ / ١٨٩