آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع سليمان بن محمد موسلمال

آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ٦٣

وهذا أدب من الله تعالى يوجّه به عباده ليتحلّوا بخلق العفو والمسامحة، فهو العزيز المتعال، ولا يبخل على عباده بذلك، إذن فالعبد أولى أن يغفر لأخيه المسلم الذي هو مثله في الدرجة، ويسيء إلى الآخرين كما يسيء إليه إخوانه، فالكلّ يخطئ ولكن العبد الأفضل عند الله هو الذي يغفر ويتجاوز عمن أساء إليه.

قال تعالى: ﴿وإنّي لغفّار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثمّ اهتدى﴾.

سورة طه ـ آية:80.

قال الشاعر:

سألزم نفسي الصفح عن كلّ مذنب

وإن عظمت منه عليّ الجرائم

فما الناس إلاّ واحدا من ثلاثة

شريف ومشروف، ومثلي مقاوم

فأما الذي فوقي فأعرف قدره

وأتبع فيه الحقّ، والحقّ لا زم

وأمّا الذي دوني، فإن قال صنت عن

إجابته نفسي، وإن لام لا ئم

وأما الذي مثلي فإن زلّ أو هفا

تفضّلت، إنّ الحرّ بالفضل حاكم

ومن أمثال العرب المشهورة: احلم تسد.

وقال شاعر آخر:

ولن يبلغ المجد أقوام وإن شرفوا

حتى يذلّوا وإن عزّوا لأقوام

ويشتموا فترى الألوان مسفرة

لا صفح ذلّ، ولكن صفح إكرام

وقال آخر:

وإذا بغى باغ عليك بجهله

فاقتله بالمعروف لا بالمنكر

وكان الأحنف كثبر العفو والحلم، وكان يقول:

ما آذاني أحد، إلاّ أخذت في أمره بإحدى ثلاث: إن كان فوقي عرفت له فضله، وإن كان مثلي تفضّلت عليه، وإن كان دوني أكرمت نفسي عنه.

وبفضل ذلك الحلم الكثير ساد عشيرته، وكان يقول:

وجدت الاحتمال أنصر لي من الرجال.

وقيل له: ممّن تعلّمت الحلم؟ فقال: من قيس بن عاصم كنّا نختلف إليه في الحلم كما يختلف الناس إلى الفقهاء في الفقه، ولقد حضرت عنده يوما وقد أتوه بأخ له قد قتل ابنه، فجاؤوا به مربوطا فقال:

دعرتم أخي، أطلقوه، واحملوا إلى أمّ ولدي ذيّته، فإنّها ليست من قومنا. ثمّ أنشأ يقول:

أقول للنّفس تصبيرا وتعزيّة

إحدى يديّ أصابتني ولم ترد

كلاهما خلف من فقد صاحبه

هذا أخي حين أدعوه وهذا ولدي

٦٣ / ١٨٩