آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع سليمان بن محمد موسلمال

آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ٧٦

ولا يجوز كذلك لأيّ كان أن يجهد نفسه في عمل من الأعمال إلى درجة الوصول بها إلى الموت، ولو كان في العمل الصالح الحلال الذي أمر الله به وحث عليه، واعتبر الشرع صاحبه كالمجاهد في سبيل الله، لأنّه في ميدان جلب رزقه ورزق عياله ووالديه، فلا يحلّ له أن يجهد نفسه ويصل بها إلى درجة الموت.

وقد احتج ـ عمرو بن العاص ـ بهذه الآية: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾ … سورة النساء ـ آية:29.

وذلك حين امتنع عن الإغتسال بالماء البارد عندما أصبح جنبا في غزوة ذات السلاسل خوفا على نفسه من الهلاك، ورغم أنّ الاغتسال واجب ولا تقبل الصلاة بدونه، ولكنّ الله رؤوف بعباده فلم يطلب منهم اتمام العبادة بعمل يوصلهم إلى الهلاك.

قال تعالى: ﴿وإن الله بكم لرؤوف رحيم﴾ … سورة الحديد ـ آية:09.

فالله رؤوف رحيم بعباده، لا يريد لهم إلا الخير، ولم يشرع لهم إلا اليسر، فهو يريد منهم أن يرحموا أنفسهم ويعرفوا قدرها وكرامتها ومكانتها التي أقرّها الله تعالى لهم.

وقد وردت أحاديث كثيرة تحرّم على الإنسان قتل نفسه أو تعذيبها، واعتبرت ذلك من الكبائر والجرائم التي يعاقب عليها الشرع عقابا شديدا ويخلد صاحبها في النار.

فعن أنس ـ رضي الله عنه ـ عن النبيء ﴿ص﴾ أنّه قال: ﴿أكبر الكبائر الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقول الزور، أو قال: وشهادة الزور﴾.

وعن أبي هريرة ـرضي الله عنه ـقال: شهدنا مع رسول الله ﴿ص﴾ خيبر فقال لرجل ممن يدعي الإسلام: ﴿هذا من أهل النار﴾، فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالا شديدا فأصابه جراحة فقيل: يا رسول الله، الذي قلت: إنّه من أهل النار، فإنّه قاتل اليوم قتالا شديدا، وقد مات. فقال النبيء ﴿ص﴾: ﴿إلى النار﴾.

فكاد بعض الناس أن يرتاب، فبينما هم كذلك إذ قيل: إنه لم يمت، ولكن كانت به جراحا شديدة، فلمّا كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه، فأخبر النبيء ﴿ص﴾ بذلك، الحديث.

٧٦ / ١٨٩