آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٨٠ومن عدل هذا الدين ورحمته بالنفس أنّه حرّم قتلها ولو كانت جنينا في بطن الأمّ لم ير النور ولم يخرج إلى الوجودّ وهو لا يزال في مرحلة التكوين والنموّ، فقد حفظ له الحقّ في الحياة كاملا تماما مثل النفس الحيّة الكاملة التي تمشي على رجلين.
هذا منتهى كرامة وعدالة هذا الدين وعظمة شريعته وأصالة أحكامه التي تمنع العبث بالروح الإنسانية، ولو فتح للإنسان المجال للتصرف في هذا الجانب قيد أنملة، لأسرف فيه إسرافا كبيرا، ولعاث في الأرض فسادا يقتل بسبب وبدون سبب، وبذلك الفساد والخوف يعيش في أسوإ حال.
وكذلك حرم قتل الجنين ولو كان في بطن أمه، مع احتمال كبير أنه سيولد مشوها أو معوقا، كل ذلك سدا لباب الفساد والظلم والإفساد وتجاوز الحدود.
ومن رحمته وفضله أن حدد للجنين ديّته إذا أجهض، وذلك على حسب كلّ مرحلة من مراحله التي يكون فيها وقت إجهاضه ولم يضيّع له حقّه في النمو والحياة إذا كان في بطن أمّه، أو بعد إجهاضه.
وهذه الديّة المقدرة التي يدفعها المتسبّب في إجهاضه بقصد أو بغير قصد تكون لورثته.
فمثلا لو روع شخص امرأة حاملا بغير قصد أو بتعمّد، فأسقطت جنينها، وذلك مهما كانت نوعيّة الترويع، فإنّه تلزمه ديّة ذلك الجنين.
ومن الظريف في هذا الموضوع أنّ سيّدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث إلى امرأة مغيبة كان يدخل عليها، وطلبها لتحضر إليه.
فقالت: يا ويلها، ما لها ولعمر، فذهبت إليه.
وبينما هي في الطريق إذ فزعت، فضربها الطلق فألقت ولدا، فصاح الصبيّ صيحتين ثمّ مات.
جمع سيدنا عمر الصحابة ليستشيرهم في هذه الواقعة، فأشار بعضهم أ ن لا شيء عليه ولا يمكن أن يتحمّل مسؤولية ذلك، وقالوا إنّما أنت وال ومؤدّب، ولكن عليّا ـكرّم الله وجه ـ سكت ولم يتكلم بشيء.
عند ذلك أقبل إليه عمر، فقال: ما تقول أبا الحسن؟