آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٨٣وذات مرّة كان الرسول مع الصحابة فأخذ أحدهم فرخي حمرة، وهي طائر صغير فجاءت منزعجة إلى النبيء ﴿ص﴾. فقال:
من فجع هذه بولديها؟ ردّوا إليها ولديها.
ورأى ﴿ص﴾ قرية نحل (أي خليّة نحل) قد حرّقت. فقال: من حرّق هذه؟ قالوا نحن يا رسول الله.
فقال ﴿ص﴾: ﴿إنّه لا ينبغي أن يعذّب بالنار إلا ربّ النار﴾.
وكذلك ورد عنه ﴿ص﴾ أنه نهى عن قتل الطير عبثا لا لمنفعة أكل أو حاجة أخرى.
قال ﴿ص﴾: من قتل عصفورا عجّ إلى الله يوم القيامة يقول: ياربّ إن فلانا قتلني عبثا، ولم يقتلني منفعة.
ويهتمّ الرسول ﴿ص﴾ حتّى بذبح الحيوان في الحالة العادية لمنفعة الإنسان: فبرحمته ﴿ص﴾ وعطفه يوصي الذابح بوصايا يغفل عنها كثير من الناس في مثل تلك المواقف، وهم يظنّون أنّ الحيوان لا يحسّ ولا يتأثر بمثل تلك الحالة، ولكنّه ﴿ص﴾ ينبّههم أنّ له إحساسا وهو يفرّق بين المواقف والأحوال التي هو فيها، فيوصي ﴿ص﴾ بالرفق به عند إرادة ذبحه، فيأمر الذابح أن يحدّ شفرته جيّدا، وأن لا يحدّها والحيوان ينظر إليه وهو ملقى على الأرض ينتظر الذبح، ولا يذبح بهيمة أمام أخرى وهي تنظر إليها تنتظر دورها، إلى غير ذلك من التوجيهات الكثيرة والمتعددة التي اهتمّ بها ﴿ص﴾ وهي في نظر كثير من الناس أشياء بسيطة لا تستحقّ الاهتمام والعناية، وكلّها تدلّ على رحمته ﴿ص﴾ وعطفه وحنانه بكلّ مخلوقات الله تعالى وقد صدق فيه قول ربّنا عز وجل: … ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾. … سورة الأنبياء ـ آية:106.
وكلّ ذلك احترام لكلّ ذي روح رطبة تدبّ على وجه الأرض، هذه الشفقة وهذه الرحمة التي كانت سببا لدخول كثير من الغلاظ الشداد إلى دين الله تعالى، وأصبحوا رحماء لأنّهم آمنوا وتيّقنوا أنّ هذا الدين ينشر الرحمة والسلام والشفقة والوئام.
رأى رسول الله ﴿ص﴾ رجلا قد أضجع شاة، وهو يحدّ شفرته وهي تنظر إليه، ففاضت الشفقة والرحمة من قلبه على تلك البهيمة العجماء.