آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٨٦إنّ الوطنيّة الحقيقيّة هي حبّ الإنسان لبلاده، أرض آبائه وأجداده وموضع ميلاده، وعلى كلّ عاقل أن يحبّ وطنه، ويتكوّن فيه ذلك ممّا يبثّه مربّوه ومرشدوه ومعلّموه في نفسه منذ صغره، فيضحّي بكلّ ما أوتي من قوّة وصحّة تفكير وغير ذلك مما قلّ أو كثر، أو عزّ أو هان، وذلك من أجل بنائه وتعميره ورقيّه وسعادة شعبه، لأنّه تربطه به صلات وثيقة ومبادئ وأسس راقية، ففوق تربته ولد، وتحت سمائه وجوّه ترعرع، وبين قومه وعناصره تربّى ونما وتعلّم معنى الحياة، فهو بالنسبة إليه منزله الصغير الذي يسكنه، ويعتبر كالغصن من الفرع، أو الورقة بالنسبة إلى الشجرة، فقوانينه وأعرافه وعاداته هي جزء أصيل من ثقافته وتفكيره، وطريقة عيش أهله وسكانه هي طريقته وطبيعته، يحنّ إليه كلّما ابتعد عنه، ويدفع عنه كلّ ظالم أو متعدّ يريد به مكروه أو ظلم.
وفي ذلك يقول الشاعر:
كم منزل في الأرض يألفه الفتى … وحنينه أبدا لأوّل منزل
إنّ حبّ الوطن غريزة طبيعية في نفس الإنسان، والذي لا يجد ذلك الحبّ في قلبه، فعليه أن يراجع نفسه ويصحّح عقيدته، ويتساءل لماذا لا يجد ذلك.
وقد قال ﴿ص﴾: ﴿حبّ الوطن من الإيمان﴾.
فكم من إنسان ينشأ في مكان قفر، حيث المعيشة فيه صعبة، مثل حال الكثير من البدو الرّحل، ومع ذلك فهو سعيد بوطنه ويقتنع به، ويفضّله على أيّ مكان آخر في العالم ولو كان جنّة الله في الأرض.
ومثل ما نرى كذلك في كثير من بقاع العالم التي تصيبها الزّلازل والفيضانات، ويموت جرّاء ذلك المئات والألوف، ولكن بمجرّد أن ينتهي كلّ ذلك، تجد السكّان الذين بقوا على قيد الحياة يرجعون إلى ما تبقّى من ممتلكاتهم، ينظّفونها ويرمّمونها ويرجعون إليها بكلّ رغبة وإرادة كأنّ شيئا لم يقع.
وقديما قيل لأعرابي: كيف تصنع في البادية إذا اشتدّ القيظ، وانتعل كلّ شيء ظلّه؟ فأجاب وهل العيش إلاّ ذاك.