أثر النظرة التوحيدية للعلوم على التكامل المعرفي لمصطفى بن دريسو
الجزء ١ · صفحة ٢فمثلا من القوانين الفيزيائية قانون الجاذبية المنسوب إلى العالم إسحاق نيوتن الذي لاحظ سقوط تفاحة فتساءل عن سبب هذا السقوط، فقد مكن هذا القانون الإنسانية من استغلاله في أوسع نطاق، وتطوير مجالات معرفية ضخمة، يعود الفضل فيها إلى مكتشف هذه الظاهرة. كما أنه من الظواهر الكيميائية ظاهرة التفاعل الذري بين العناصر الكيميائية، التي ترتبط فيها ذرات المعادن والغزازات ببعضها وفق الحاجة إلى التبادل الإلكتروني، مما يشكل جزئيا جديدا، ونمثل لذلك بتلاحم ذرتي الهيدروجين مع الأكسجين ليمدنا بجزيء الماء.
فهذا نموذج للنظرة التحليلة الفيزيائية والكيميائية لكل الظواهر المادية، وبهذه الطريقة تدرس في المدارس، وتشرَّح في المخابر، لكن المتفحص الدقيق لهذه الظواهر سيلاحظ أشياء أخرى في نفس هذه الظواهر قل ما ينتبه إليها الباحثون المسلمون فضلا عن الغربيين، ذلك أننا نجد في المثالين السابقين تغييب لحقيقة أساسية هي لب الظاهرتين وجوهرهما، لكن لا اعتبار لها مطلقا في التحليل العلمي السابق، ولا أثر لها في البحث العلمي، ونقصد بهذه الحقيقة نسبةَ الأمر إلى صاحبه الأساس، وتبيان من وراء إيجاد هذه الظواهر، ومن ثم تحقيق النظرة التوحيدية للكون.
فقانون الجاذبية بهذه النظرة الجديدة لا ينبغي أن ينظر إليه فيزيائيا وكفى، وإنما تقتضي النظرة التكاملية للمعارف أن يصرح بأن هذا القانون مما أودعه الله في كونه، وبه تسير كل الأجرام السماوية والمواد في الطبيعة، وتستلزم النظرة التوحيدية أن يقال بأن نيوتن مكنه الله من اكتشاف ما استودعه في كونه، ويقال أيضا بأن العلم استطاع بفضل الله أن يضم عنصرا كيميائيا من خلق الله إلى عنصر آخر من نفس المصدر ليحصل الإنسان في النهاية على عنصر كيميائي جديد من خلق الله.
والفائدة الأولى من هذه النظرة التكاملية للمعارف تجعل الإنسان الفاني لا يغتر فينسب الأمر إلى نفسه فقط، ويترك موجِد الظاهرة ومفعلها دون ذكر، لأن الإنسان في الحقيقة لم يأت بأمر جديد من عنده، وإنما له فضل الملاحظة الدقيقة وفضل صياغة الافتراضات المتعددة ثم التحقق منها وفق المنهج التجريبي، ليصل في الأخير إلى صياغة قانون يربط الأسباب بمسبباتها، ويقيس الأمور بدقة، فلا يحق بأي شكل تمجيد الملاحظ وتسمية القانون الجديد باسمه، وتغييب موجِد الظاهرة وراعيها، الذي هو الله.
والفائدة الثانية المستخلصة من الدعوة إل التكامل المعرفي هي غلق السبيل على الإنسان من التطاول على الظواهر الكونية واستغلالها لصالحه ومنافعه الخاصة ولو على حساب الآخرين، والحد من الاستعمال الجشع للطاقات الكونية والاختراعات بمقصد جلب الأرباح فقط، لأن الإنسان الذي يسند الأمر إلى الله، سيراعي مقصد الله من إيجاد هذه الظاهرة، ويستغل الطبيعة استغلالا عقلانيا ليس فيه تسلط ولا تجبر على الآخر.