أثر النظرة التوحيدية للعلوم على التكامل المعرفي مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

أثر النظرة التوحيدية للعلوم على التكامل المعرفي لمصطفى بن دريسو

الجزء ١ · صفحة ٣

أما الفائدة الثالثة فإنها تعود بالخصوص على المؤمن بالله، والمتمسك بدينه وفق كتاب الله وسنة رسوله، وسيجنيها المسلم الذي أصيب بالفتور في علمه وبالركود في التفاعل الحضاري كغيره من الفاعلين الناشطين في تقصي الحقيقة العلمية في كل شيء، وهذا الفتور كان جراء الغبش المعرفي الذي أصيب به عقله، فتأثر بالأوروبين الذين اكتووا من نار الكنيسة في عهد الظلام، فقرروا فصل الله عن العلم، فلما أصيب المسلم بشظايا هذه المعرفة عن طريق المناهج الدراسية، ومناهج البحث العلمي لم يجد منفعة في ترويض الكون له ولا تسخير كل ما فيه لصالحه وصالح الإنسانية، دون ضرر ولا أذى، ونسي الطريق السوي الذي سلكه الأنبياء والرسل عليهم السلام في دعوة قومهم عن طريق التفاعل الإيجابي مع الكون، كصنع سيدنا نوح عليه السلام للسفينة، ومداواة سيدنا عيسى عليه السلام للأكمه والأبرص، وغفل المسلم أيضا عن تقصي سيرة سلفه الصالح الذين جمعوا تقصي الحقيقة في علوم الشريعة وعلوم المادة دون أي حرج معرفي، فألفوا في مختلف المجالات العلمية والشرعية على حد سواء باعتبارها أن مصدرها واحد وهو الله.

- الفلك: ما قيل عن العلوم المادة يقال عن علم الفلك، الذي نجد له أيات عديدة في القرآن الكريم توصي بالنظر في ملكوت الله تعالى، كقوله تعالى: اِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لأَيَاتٍ لِّأُوْليِ الاَلْبَابِ، كما أن الكثير من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وجهوا أقوامهم إلى حقائق فلكية دقيقة ساندها علم الفلك المعاصر، مما يدل على إيمانهم بأهمية التفاعل الإيجابي مع كون الله، فهذا سيدنا نوح عليه السلام نبه قومه إلى ظواهر طبيعية في غاية الوضوح، فبين لهم ضياء الشمس، وانعكاس ضوئها على سطح القمر ليشع نورا يتلألأ في الليلة المقمرة، فقال لقومه: اَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا. فلو أدرك المسلم حقيقة دوره في الحياة، وآمن بعدم وجود انشطار معرفي بينما هو من الله وبين ما ينسب لعلوم الدنيا لسعى أن يصل إلى القمر ما دام أنه يعكس الضوء وليس هو مصدره، ولسعى أن يكتشف كون الله بحرارة عقدية دافقة.

وتفيد هذه النظرة أيضا في هذا المجال من عدم تغييب الله مطلقا في آلائه لأجل إنسان اعتكف لشهور أو سنوات فرأى جرما سماويا فينسب إليه، فيقال مثلا: كوكب بلوتو، وينسى ذكر الله الذي خلق الكوكب وما فيه من غازات وعواصف، وأودع فيه جاذبية وأشياء أخرى لا زالت لم تكتشف بعد.

وملخص الحديث في التكامل المعرفي أنه لا ينبغي أن ننظر إلى العلم بنظرة تجزيئية، ولا يحق لنا أن نفصل بين علوم دنيوية وعلوم أخروية، لأن كل العلوم باستحضار العقيدة الصحيحة هي من الله، من

٣ / ١٥