أثر النظرة التوحيدية للعلوم على التكامل المعرفي مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

أثر النظرة التوحيدية للعلوم على التكامل المعرفي لمصطفى بن دريسو

الجزء ١ · صفحة ٤

باب قوله تعالى: قُلِ اِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَآيْ وَمَمَاتِيَ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وقوله تعالى: إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ التِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الاَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَآءِ وَالاَرْضِ ءَلاَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. والنظرة التوحيدية خير محفز على التفاعل مع كون الله، وستحملنا على مشاركة الأممَ في الصناعة والفنون، واستشعار رقابة الرحمن في تصرفاتنا وأقوالنا، وستصحح لنا المفاهيم فنعتقد أن الجالس في كرسي الدراسة هو العابد الحقيقي لله، وأن المهندس المبتكرَ لقانون طبيعي جديد هو المسبح لله عمليا بعد أن كان يسبح تسبحا قوليا بلسانه وقلبه، وأن الباحث الذي يجتهد في مخبره مكتشف لآلاء الله، ومستخرج لما سخره الله لنا من حيوان ونبات ومعادن وهواء، وأن العامل في متجره ووظيفته مستخلَف من الله في أرضه.

2 - دور الأنبياء في بناء الحضارات.

إن الحقيقة العظمى التي حملها الأنبياء على كاهلهم هي دعوة الخلق إلى عبادة الله الواحد القهار(1)، وإيضاح ما أبهم على الناس، وبيان ما غاب عن أنظارهم، فلذلك كانوا مجدين في إعلام أقوامهم بالمصير المحتوم للإنسان في الآخرة، وترشيدهم إلى سنن الله في كونه، وإن الهدف من قص الله قصصهم على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - هو تثبيت قلبه - صلى الله عليه وسلم - وتسليته، وهداية المؤمنين ورحمتهم، يقول تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَآءِيلَ أَكْثَرَ الذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُومِنِينَ (77)، فأحداث قَصصهم هي حقائقٌ كونية وقعت في الزمن الماضي، ولا يزال إشعاعها يستنار به لحاضرنا، وسيبقى عبقُ نورِها يُستشرف به لمستقبَلنا، قال تعالى: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنِ اِلَهٍ اِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. فعلينا أن نقر بأن الحضاراتِ لم تقم إلا بعد مجيء الأنبياء عليهم السلام؛ هداةً ناصحين إلى الحق، ودعاة موجهين إلى التفاعل الإيجابي مع كون الله، وإن غيبت القراءةُ الجوفاءُ في كتب التاريخ المعاصر الدورَ الأساس للأنبياء في بناء حضارة أقوامهم، وأبعدت تحليلاتُ الأوربيين الذين فكوا رموزَ الكتابات القديمة ورسومَ الحفريات معاني توحيد الله، فصاروا يفسرون كلَّ صور الحكام على أنها رموز للآلهة المتعددة، ويحللون كلَّ شيء بمنطق الوثنية والشرك، وغرضُهم في ذلك إقرار حرية الإنسان الأول من القيود، وتوثيقُ الانحلال الخلقي والفحش والمنكر كأصول متجذرة في العنصر البشري.

فلو أخذنا كمثال الحضارة المصرية فسنجد أنها انتشرت في بلاد صحراوية تحرقها الشمس،

(1) الصابوني: النبوة والأنبياء: 36.

٤ / ١٥