أثر النظرة التوحيدية للعلوم على التكامل المعرفي مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

أثر النظرة التوحيدية للعلوم على التكامل المعرفي لمصطفى بن دريسو

الجزء ١ · صفحة ٦

في توجيه الناس في دنياهم وآخرتهم، وإيقاظ الهمم لصنع مجتمع متحضر، وإلى استغلال كون الله المفتوح لاكتشاف آلائه، وكشف أغواره.

وهذا سيدنا سليمان الأواب - عليه السلام -، الذي تفاعل مع الإنسان والطير والجن وأجريت له الريحُ رخاءً وعاصفةً، وسخر الله له الشياطينَ يبنون له الأعاجيبَ ويغوصون في البحر، ووُهب له الخيلَ السراع، والجيشَ المطاعَ المنظم، ووُهب فوق كل هذا المُلكِ التذللَ لمالك يوم الدين، والخضوعَ للقاهر فوق عباده، فقال الله عنه: "وَلَقَدَ ـ اتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا، وَقَالاَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُومِنِينَ".

فسيدنا سليمانُ - عليه السلام - لما قدم له الهدهد تقريرا عن الحالة السياسية، والاقتصادية، والدينية للمملكة التي عاينها وزارها، أمره أن يحمل رسالةً إلى الملِكة فقال: "اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ". ولما ألقى الهدهدُ الكتاب بين يدي الملِكة، قرأته وجمعت وزراءَها ومستشاريها قائلة: "يَآ أَيُّهَا الْمَلأُ اِنِّيَ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ"، وتلت عليهم مضمونَه، وفيه: "إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَاتُونِي مُسْلِمِينَ"، ولما أكملت قراءته، أجمعت حاشيتها واستشرتهم ثم قررت الملكة الحكيمة أن تصانع سليمان بالهدايا، فغضب على ذلك وعزم على إحضارها، فقال لوزرائه من الإِنس والجن: "قَالَ يَآ أَيُّهَا الْمَلأُ اَيُّكُمْ يَاتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَّاتُونِي مُسْلِمِينَ". فتسارع جنودُ سليمان وأنصارُه لتلبية الطلب، وإذا بعرش ملكة سبأ حاضرٌ بين يدي سليمان - عليه السلام - قبل أن يرتد إليه طرفه. فلما رآه مستقراً عنده قال: "قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِيَ ءَآشْكُرُ أَمَ اَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ".

ويستوقفنا في هذه القصة الإيمانية استعمال سيدنا سليمان - عليه السلام - كلَّ مظاهر العظمة في حضارته لدعوة ملكة سبأ إلى الله الواحد الأحد، إذ أرسل إليها كتابا وصفه الله بأنه كريم، فبمجرد أن تلقته الملكة قرأت فيه حضارةَ سيدنا سليمان - عليه السلام -، وأدركت قدر المرسِل، فربما كان الكتاب من ورق راق وخفيف استطاع خلق ضعيف مثل طائر الهدهد أن يحمله آلاف الكيلومترات، ولنا أن نتخيل نوعية المداد والخط والزركشة التي طُرزت بها الرسالة، ولذلك وصفه رب العزة بالكريم.

وعندما حضرت الملكة بجيشها إلى سليمان - عليه السلام - وجدت عرشها الموصوف بالعظمة من رب العظمة ماثلا أمامها وقد غُيِّر فيه بعض الشيء، ولم يكتف هذا الحكيم بإحضار العرش وتنكيره، فإنه صنع للملكة قصرا جعل أرضَه من الزجاج، وأسال الماء من تحته، حتى توهمت الملكةُ وانخدعت، مع أنها تدرك ما يصنعه الخدم لملوكهم، وتعرف زخارفَ القصور وأبهاتِها، فكانت هذه العروض الحضاريةُ سببا لإسلامها، والحمد لله.

٦ / ١٥