أثر النظرة التوحيدية للعلوم على التكامل المعرفي مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

أثر النظرة التوحيدية للعلوم على التكامل المعرفي لمصطفى بن دريسو

الجزء ١ · صفحة ٧

اهتمامهم أفلا يستوقفنا هذا الأمرُ طويلا لنحاسبَ أنفسَنا، لماذا تخلينا عن صناعة الحضارة في عهدنا؟ ولماذا صرنا نستهلك حضاراتِ غيرنا؟ ولماذا تقدم غيرنا وتخلفنا نحن؟ ولماذا بتنا في مؤخرة الركب؟ ولماذا صار غيرنا يبيدنا ويستعبدنا؟ ولماذا تخلينا عن التألق في العلوم وتركناها لغيرنا يسيطر عليها كيفما يشاء ويحلو له.

ويظهر لنا جليا بعد استعراض نماذج من رسل الله تعالى في اهتمامهم بالمعرفة والحضارة أهمية الدعوة الجادة إلى اعتبار العلوم كلها من الله، ومن واجب الإنسان المسلم أن يتمكن فيها، ويتقنها، ويكتشف الجديد فيها، ويسهم في اختراعات معاصرة تثبت اعتزازه بكون الله، وإيمانه بتسخير الله لما في السماوات والأرض للإنسان المؤمن المنسجم مع الله وكونه وبالتالي عدم الفصل بين الله والعلم، وإمكانية استفادة العلوم المتقاربة من بعضها.

3 - الظاهرة الاجتماعية والدين:

قبل الحديث عن التفاعل المعرفي بين علم الاجتماع والعلوم الإسلامية ينبغي أن نتعرف على مجال دراسة علم الاجتماع، ونحلل نظرته إلى الدين، حتى يتسنى لنا معرفة هل يمكن الاستفادة منه في العلوم الإسلامية أم لا؟ ونكتفي بعرض نظرة رائدين اجتماعيين هما: دور كايم، وما كس فيبير.

أ) الظاهرة الاجتماعية عند دور كايم، وتحليله للدين:

بعدما تبنى دوركايم القول بشيئية الظاهرة الاجتماعية، استطاع العلم أن يتطور تطورا معرفيا ومنهجيا ملحوظا، فصار يدرس الظواهر الاجتماعية بأقيسة رقمية وبقراءة سوسيولوجية للنتائج الإحصائية، لكن الإشكال الذي يعترضنا هو أن منطلق الشيئية عممها دور كايم على كل الظواهر الاجتماعية بما فيها الدين الذي يراه من وضع المجتمع وليس من الله، فكرس بذلك القطيعة المعرفية بين الله والعلم، وأبعد أثر الدين في حياة المجتمعات، وإزاء هذا الوضع المأساوي هل يمكن الاستفادة من هذا العلم؟ وكيف يمكن تصحيح هذا الإلحاد المعرفي؟ وهل نستطيع أن نقيم توأمة بين هذا العلم والعلوم الإسلامية؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في هذا العنصر إن شاء الله.

انطلق دور كايم في تحليل الدين من ملاحظة وجود قواعد سابقة على الفرد تحكم تصرفاته، مثل: إحساسه بالإجبار الجماعي، وشعوره بالارتباط العاطفي بالجماعة، مما يتحتم عليه الانضباط في المجتمع، وتتبع الأخلاق السائدة في مجتمعه، وذكر أن هذا النظرة الاجتماعية لم يصنعها الإنسان من قناعته، وإنما وجدها كاملة منذ ولادته، فقال في كتابه قواعد المنهج السوسيولوجي: "عندما أدفع بمهمتي كأخ، كزوج، أو كمواطن، عندما أنفذ الالتزامات التي تعاقدت عليها، فإنني أؤدي واجباتي التي تحددت بعيدا عني وعن أفعالي، الواجبات التي تحددت في القوانين والأعراف … وعلى الرغم من أنها [القوانين

٧ / ١٥