بناء ذاكرة ولدك لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٩٥والرضاعة الطبيعيّة ليست مهمّةً بالنسبة للولد فحسب، بل تساعد الأمّ كذلك على استعادة قوامها السابق، فيرجع لها وزنها وحجمها السابقين للحمل، وتقلّل من كميّة النزيف في الأسابيع الأولى بعد الولادة، كما تساعد على تقلّص الرحم وعودته إلى حجمه الطبيعي، وهي تقيها من الإصابة بأمراض الثدي، ولقد دلّت الأبحاث الطبيّة أنّ سرطان الثدي أقلّ حدوثاً في الأمّهات اللاتي يرضعن أولادهنّ.
فهذا الحليب الذي تُنتِجه الأمّ يمرّ بآلِيّاَتٍ مُعقّدةٍ جدّاً، وخلِيّة الغُدّة الثديِيَّة تمرّ فوقها أوعيّةٌ شعريّةٌ فيها دمٌ -وكأنّها كائن عاقل ـ تختار من بين فَرْثٍ ودمٍ، من بين الكريات الحمراء ومن بين الهرمونات السائلة التي في الدم العناصر الأساسيّة من بروتيناتٍ، وموادَّ دسِمةٍ ومواد شَحمِيّةٍ، ومواد مُقَوّيةٍ، ومعادن، لتكوّنَ منها الحليب، الذي هو غذاءٌ كاملٌ للكائن البشري الصغير الحسّاس.
فالله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي صمّم هذا الثدي لإنتاج هذا الحليب، ثمّ جعل هذا الحليب يتوافق مع حاجيّات جسم الرضيع، ثم أوجد في جسم الرضيع غدداً متنوّعة تهضمه، وأجهزةً معقّدةً، لا يعلم تصميمها إلاّ هو - سبحانه وتعالى -، تستقبل هذا الحليب، وتهضمه، وتمتصه، وتجعله طاقةً، تنمو بها مختلف أجهزته، ومن بين تلك الأجهزة الحسّاسة مخّه.
لقد صمّم بعض الأجهزة في جسم الأمّ تفرز سائلا يُناسب جسد الرضيع الصغير، ويوجد في ذلك السائل هرموناتٌ لا يعلم إلاّ الله - سبحانه وتعالى -، وخلق في جسده أجهزةً تستقبل ذلك السائل، وجعل توافُقاً عجيباً بين بنيته ومُكوِّنات غِدائه، فأحياناً نقرأ على علبة الحليب:
هذا الحليب متوافقٌ مع السِّن الفلاني.
فهو مدروس بشكلٍ يجعل ما فيه من بروتيناتٍ وشحومٍ وفيتاميناتٍ تتناسب مع عمل أجهزته، ويستفيد منها الجسم استفادةً كاملةً.