جغرافيا جبل نفوسة: دراسة ميدانية في الجغرافيا الطبيعية والبشرية جون ديبوا

جغرافيا جبل نفوسة

الجزء ١ · صفحة ١٨٥

في منطقتنا إذن، للإقتصاد الفلاحي بل لكل مناحي الحياة البشرية ارتباط وثيق بالظروف الطبيعية. لم نتطرق في هذا الفصل لأية زراعة ولأي مورد دون التذكير المسهب بالتباينات الموجودة بين مختلف أجزاء الجبل: الهضبة، الأودية، السفوح والجبل الغربي والشرقي. وبالتالي صرنا أمام ما يشبه اللازمة في كل فقرة أو ما يماثل المعزوفة التي لا مفر منها طالما أنه يتملكنا انطباع مفاده أن الإقتصاد الفلاحي لا يمكنه أن يكون إلا ماهو فعلاً.

ومع ذلك…فلنتجشم عناء شد الرحال إلى جبل ترهونة الواقع بين جبل غريان المكتظ بدوره بالساكنة ولكنها مبعثرة والربى المبثوثة لقرى جبل مسلاتة، البلاد الخلفية للبدة (خارطة الرسم 1). سنفاجأ بغياب أي قرية، أي منزل، وأي شجرة تقريباً إلا في بساتين صغيرة جافة. لن نجد سوى الخيام والقطعان وموجات ترابية شاسعة مبذورة، هذا مع العلم أن جبل ترهونة لا يختلف إلا قليلاً عن بقية الجبل وبخاصة جبل نفوسة. فالتضاريس هي هي والمناخ ملائم جداً، كما أن ظروف العيش ميسرة أكثر، وبضعة عيون موجودة، وأرض جيدة قابلة للحرث. فلماذا لا نجد هنا ساكنة ريفية وكثيرة العدد تعيش على غرار النفوسيين الذين ألحقوا بالجبل شريطان واسعان من التعاشيب؟ لم جبل ترهونة غير مأهول إلا بالبدو، بدو السهوب الذين ألحقوا الجبل المجاور بكل عيونه بالسهوب؟

يحد هذا الاختلاف تفسيره في تواجد سكان رحل صاروا الأسياد، في حين يعتبر النفوسيون قرويون وجدوا ملاذهم في الجبل. وتنبغي الإشارة إلى هذا الاختلاف بشري تماماً وأن العكس كان يمكن أن يحصل كذلك.

لندع جانباً جبل ترهونة الذي يستحق لوحده دراسة خاصة. فهذا التقارب البسيط يكفي لوضع تأثير الظروف الطبيعية في حجمه الحقيقي، تأثير أحطنا به تواً بالدرس والتحليل وأبرزنا أهميته. وهي أهمية رئيسية لا ترقى إليها ذرة شك. لكن لا يمنع هذا من القول بأن نفوسة كان يمكن أن تصير ترهونة.

الفصل الثاني

١٨٥ / ٣٩٩