جغرافيا جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ١٨٩تمخضت عن الغزو العسكري العربي لشمال إفريقيا في القرن الأول الهجري نتيجة نوعية تمثلت في ربط بلاد مسيحية ولاتينية بالشرق الإسلامي. غير أن وصول بضع عشرات آلاف من العساكر المشارقة المتبوعين بهجرة بورجوازية إلى المدن لم تكن له سوى أهمية إثنية ضعيفة على مستوى شمال إفريقيا لكنه أثار حركة معارضة ارتفعت وتيرتها مع تبني المذهب الإباضي بطرق جد عنيفة أحياناً في مواجهة الأمراء والعائلات المالكة الحاكمة لإفريقية. في البداية لم تكن هذه المعارضة محصورة في منطقة بعينها، علما بأن قبيلة نفوسة تمتد في اتجاه سهول جفارة الغربية بقدر ما تطول الجبل. غير أن الجبل على غرار البدعة، هو مناط قوة ساكنة مقاومة تعتبر في القرنين 9 و10 الميلاديين بمثابة الطليعة الشرقية للفيدرالية الإباضية الكبيرة لتيهرت.
فيدرالية تضم في الوقت نفسه رحل السهوب والقبائل الجبلية. إن الجبل والإباضية هما اللذان مكنا هؤلاء من الحفاظ على استقلالهم عن الفاطميين الذين نجحوا مع ذلك في القرن العاشر الميلادي في تسديد آخر ضرباتهم لفيدرالية تيهرت وتحقيق انتصاراً ساحقاً على أهل نفوسة(1).
غير أن العواقب الناتجة عن النزوح الكبير لمئات الالاف من الرحل المشارقة من خلال احتياجات القرن الحادي عشر الميلادي لافريقيا الشمالية- والتي استفاض [مارسيي] و[گوتيي] في بيان حمولاتها- أقول إن هذه العواقب كانت أكثر تأثيراً على النفوسيين من غزوات القرن السابع الميلادي. وقد دفع مرور القبائل الهلالية وبصفة خاصة استقرار بني زغبة في الجفارة الغربية بنفوسى السهل إلى التراجع في اتجاه الجبل، ومنذ ذلك الوقت إقترن اسم نفوسة والنفوسيين بالجبل وصارا لا يفترقان.
(1) - حول كل هذه الأحداث، يراجع الجزء الرابع، الفصل الأول.