جغرافيا جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ١٩٢هذا النوع من السيادة تتم ترجمته من خلال إتاوة يتعين على "مقطعي" الجبل (المقطع شخص يقطعه السيد الاقطاعي) أرضاً لقاء تعهده بتقديم خدمات له) أدائها على غرار أمثالهم في واحات سيناون، ودرج وغدامس عندما يحرثون الأراض التي يزعم آل ورغامة أنها لهم، أو عندما يرعون فيها قطعانهم. نظرياً لا يتوغل الرحل التونسيون في إقليم طرابلس إلا لإجبار هؤلاء "المقطعيين" على أداء الإتاوات. وقد كانوا يهددون، باستمرار، محاصيل ومواشي أهل الجبل ويبثون من الرعب ما يضطر القوافل في القرن التاسع عشر للمرور من جنوب جبل نفوسة والتوغل انطلاقاً من خط طول جادو لأجل الوصول إلى طرابلس وغدامس(1).
قامت الحماية الفرنسية، دون وعي منها بذلك، بثورة اجتماعية عميقة من خلال إرسائها لواقع المساواة بين آل ورغامة وقرويي جبل دمر، وتخليص ساكنة الجبل الطرابلسي من رعب هؤلاء الرحل الشرسين. ولا زالت آثار هذه الذكريات قائمة ومنها أن أهل وازّن لا زالوا يسجلون على خواصر إبلهم العلامة نفسها لأسيادهم الإقطاعيين.
وبعد أربعة قرون حسب (ابن خلدون) لا زال المقيمون بالسهل يسيطرون على معظم ساكنة الجبل منهم الأمازيغ أو المعربون. تنبغي الإشارة هنا إلى آل ورغامة يشكلون اليوم فيدرالية أمازيغية معربة احتوت العناصر العربية التي امتزجت معها، وإلى أن سيطرة آل ودرانة على النفوسيين، لا تعني في شيء سيطرة العرب على الأمازيغ بل سيطرة البدو على أهل الجبل. يتعلق الأمر بمواجهة بين عقليتين لا عرقين، مواجهة استمرت أربعمائة سنة.
(1) - عن كل هذه الأشياء، يراجع : Goguyeer، p308 et suivantes Le Bœuf، p46 et 49