جغرافيا جبل نفوسة: دراسة ميدانية في الجغرافيا الطبيعية والبشرية جون ديبوا

جغرافيا جبل نفوسة

الجزء ١ · صفحة ٢٠٥

نخلص مما سبق إلى أن الغرباء هم الذين يتساكنون في جبل نفوسة، فالشعور بالانتماء إلى عالمين مختلفين هو من القوة بحيث ييسر الاعتقاد بعدم الانحدار من السلالة عينها. فالمثير والمضحك في آن أن نكتشف معربين نعلم جيداً أنهم أمازيغ، يتفاخرون بانتسابهم إلى "العرق العربي"، وسماعهم وهم يتحدثون عن الأمازيغ الآخرين بحقد كبير. من جهتهم يكره هؤلاء الذين لا زالوا متمسكين بأمازيغيتهم أشد الكره إخوتهم المتنكرين والوافدين الجدد على حد سواء. "إخوتهم" الحقيقيون هم إباضيو جربة ومژاب، فهم يجهلون كل شيء تقريباً عن القبايليين ويعتبرونهم غرباء وبعيدون. في نهاية الأمر، نلاحظ أن الدين هو الذي يخلق الولاء أو العداء أكثر من اللغة.

في جبل نفوسة، يعيش الأمازيغ والعرب منفصلين عن بعضهم البعض ولا يتصاهرون بالمرة. فلئن تعربوا منذ زمن طويل فإن الأمازيغ غالباً ما يكونون مهمشين. ففي تارديا، على سبيل المثال، وهي مركز الرجبان تعرب جزء من الساكنة ذات الأصول الأمازيغية، منذ ثلاثة قرون ونصف، لكن لا زال يحتفظ بشيخه، ولا يتصاهر أفراده أبداً مع العرب، يقال الشيء ذاته عن القرية الصغيرة أولاد محمود في ككلة، حيث يعيش حوالي عشرين عائلة عربية متحدرة من المحاميد، وثلاث أسر متحدرة من كاباو. ها هنا كذلك لا وجود لزواج مختلط ولا زالت نساء الأسر الثلاث يحافظن على تصفيفة الشعر القديمة، ويقمن في بيوتات معزولة عن التجمع السكني.

لكن الأهم من كل ذلك هو أن هذا التقابل الناتج عن الاختلاف اللغوي والديني والذي زادت من حدته قرون من العداء ونمط العيش المغاير، يعبر عن نفسه أيضاً على المستوى الاقتصادي، والطرائق التي تشتغل بها هاتان المجموعتان البشريتان في الوسط الجغرافي الواحد.

٢٠٥ / ٣٩٩