جغرافيا جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٢٠٧"العربي" هو بالأحرى بدوي، ويختلف نمط عيشه قليلاً عن نمط الأمازيغي على الأقل ظاهرياً. يمتلك أشجاراً لكنه لا يعتني بها، يقيم بالقرى لكنه يفضل الخيمة. ففي الربيع مثلاً، تجد كل العرب خارج منازلهم وتبقى هذه فارغة تماماً. يفضل العربي الحياة الكسولة للراعي، على الحياة المرهقة للفلاح ،ولايعود إلى مسكنه لأجل الاعتناء بأشجار الزيتون والتين.
لا يكِدُّ "العربي" لتحسين وضعه ومآله. تعتمد حياته على تزايد أو تناقص عدد رؤوس قطيعه، الذي يعتمد بدوره على التقلبات المناخية. يرتضي أن يكون راعياً عند الأمازيغي، لكن لا يكون أبدا مكداً في الفلاحة. لكنهم على عدم تبصرهم وغفلتهم فإنهم مع ذلك أسياد كبار ومشتهرون بكرم الضيافة. إذا حل عندهم ضيف يقدمون له خروفاً مشوياً ويسخرون من الأمازيغ الذين لا يقدمون إلا دجاجة.
يحتقر العرب دائماً هؤلاء الأمازيغ الجبليين البخلاء، هؤلاء الذين كانوا في زمن مضى يخافون من الخروج من بلداتهم، ويخضعون لسيطرتهم، كما يخضع آل ورغامة بالسهل عموم ساكنة الجبل. "أشبه ما يكونون باليهود"، يقول عنهم العرب في احتقار بالغ، فقد كانوا يسبلونهم ممتلكاتهم، لذلك تجد الأمازيغي المسروق والمحتقر يشعر بالكراهية والخوف إزاء "العربي" ولا يغادر الجبل. لا يحصل اتفاق إلا على الغزوات الرهيبة لآل ورغامة الذين تعجب قوتهم وشجاعتهم الأمازيغي، الذي ينظر إليهم كحليف ولو ليوم. فآل ورغامة لا يميزون بين الجبليين وينهبون منهم أولئك الذين يملكون أكبر عدد من رؤوس الماشية، وهم "العرب" بطبيعة الحال. لكن ما أن يمر الخطر حتى تستقر الكراهية مجدداً بين مكونات الجبل، وآخر تجلياتها ذلك الانفجار المدوي الذي وقع قبل سنوات في فترة انتقال السلطة إلى الحكومة الإيطالية.