جغرافيا جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٢٠٩أمام كل هذه الحيوية الأمازيغية، جُرد "العربي" من كل أسلحته، وبعد أن كان سيداً قديماً ها هو الآن في مواجهة قادة (سادة) أمازيغ. نحن إذاً شهود عيان إذن على لحظة يحقق فيها الفلاح هجوماً ساحقاً وثأراً ماحقاً من البدوي وانتصاره مؤكد. يقدم الأمازيغ على شراء الأرض وبصفة خاصة الأشجار ليراكموا بذلك الرأسمال الموثوق والصامد في وجه السنوات العجاف، رأسمال لا يعطي فوائداً ولكنه لا يفقد قيمته مع الزمن. أما العرب فيبيعون رأسمالهم الوحيد والثابت، ولن يمتلك الكثير منهم بعد ذلك إلا رأسمالاً هشاً قادراً على الزيادة السريعة بقدر ماهو قابل للذوبان كقطعة ثلج تحت أشعة الشمس. فمقابل الأمازيغ الذين يزداد رأسمالهم طراً بحيازتهم لمواقع متينة، نرى "العرب" وهم يلعبون دور المزايدين المحكوم عليهم بالإفلاس.
من المؤكد أن التطور بطيء، وقد ينقطع، لكن الظاهر منذ الآن أن جزءا على الأقل من "العرب" في الجبل سوف ينتهي أمرهم ويختفون ببطئ، لكن بلا شفقة ولا رحمة. ثأر مزارعوا نفوسة بطيء، وذو نفس طويل، لكنه مؤكد في كل الأحوال. يعتبر هذا التقابل الموصوف تواً بين الفلاح الإباضي الناطق بالأمازيغية، والبدوي المالكي الناطق بالعربية، إحدى أهم خصائص الجغرافيا البشرية بجبل نفوسة. لكن يتعين تفادي تعميم هكذا تقابل وتدقيقه نظراً لوجود استثناءات مهمة. ففي العديد من القرى المختلطة في الحرابا والرحيبات، الأمازيغ "العرب" ممتزجون على الأرض ويعيشون العيشة نفسها، ولهم عيوبهم ومحاسنهم. وفي كثير من التجمعات السكنية "العربية" التي تتواجد بها بعض الأسر الأمازيغية المعربة نلاحظ كيف أن هؤلاء ذابوا تماماً في الكتلة البشرية الأكبر.