جغرافيا جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٢١٤تتوقف أماكن التخييم على الأمطار، وتطالها تغييرات لافتة تبعاً لأصحابها، إن كانوا من الأمازيغ أو "العرب"، فالأمازيغ ومعظمهم من ككلة والرياينة، لا يذهبون بعيداً عن قراهم وأشجارهم. ففي الجفارة على سبيل المثال لا يبتعدون أكثر من مسافة يوم عن مواطن إقامتهم، بل حتى في الظهر لا يذهبون بعيداً إلا إذا اضطرهم الجفاف لذلك. قلما تجد من بينهم من يعلم بوجود المساحات الشاسعة بالقبلة، ولا يحسون فيها بالأمان، فلا زال الخوف التاريخي من العرب عالقاً بذاكرتهم، ولا زالوا يتعرضون للسرقة من قبل الرحل من آل الزنتان، الذين لا يرجى صلاحهم، إذ يمتهنون سرقة الإبل ويعتبرونها مصدراً لا ينضب. على أية حال يفضل هؤلاء الأمازيغ عدم الابتعاد عن مساكنهم إلا لساعات معدودات سيما وأنهم مضطرون لترك عوائلهم لأجل الإعتناء بأغراسهم في الجبل. في الربيع، لا تخلو القرية الأمازيغية كلية من أهلها، إذ ينضاف إلى الغراسين الذين تركوا خيامهم لبضعة أيام أولئك الذين لا يملكون الماشية وهم كثر ببعض التجمعات السكنية.
أما "العرب" فيبتعدون بسهولة أكبر. يغادرون بيوتهم في أجواء من المرح تاركين ورائهم قراهم فارغة تماماً. لم أجد بـ تلات مخلوقاً واحداً عندما مررت بها في أبريل-وهي قرية صغيرة بالحوامد. يحس الحوامد والحرابا والرجبان وبصفة خاصة الزنتان أنهم في بيوتهم وهم يقيمون في هذه السهوب الصحراوية الممترامية الأطراف بالظهر والقبلة، والتي يترددون عليها منذ قرون خلت، يعرف كل آبارها وصهاريجها حتى جهة الحمادة الحمرة. الماء الأجاج لا يقرفهم، ولهم دراية دقيقة بالنبات والأعشاب التي يعتبرونها أفضل من مثيلاتها في الجفارة. قلما تجدهم يهتمون بالأشجار ويتركونها مهملة لأربعة أو خمسة شهور في الجفارة.