جغرافيا جبل نفوسة: دراسة ميدانية في الجغرافيا الطبيعية والبشرية جون ديبوا

جغرافيا جبل نفوسة

الجزء ١ · صفحة ٢٢٠

درجات الترحال : لندع جانباً آل الزنتان والقواليش. فمما لا شك فيه أن قرويي جبل نفوسة ما عادوا سكاناً مستقرين. فالكولونيل [أكوستيني] الذي اقترح في كتابه الشيق تصنيفاً مؤقتا لساكنة إقليم طرابلس تنقسم بمقتضاه إلى: مستقرين أشباه الرحل، والرحل، يدرجهم كلهم تقريباً في فئة المستقرين، ويتفادى بعناية إلصاق صفة المقيمين بهم. بالمقابل، تجده يصف مقيمي الواحات والقرى (القبائل الساحلية والجبلية) بالمستقرين، علماً بأن يتنقلون باستمرار لأجل زرع البذور، ولأجل الحصاد، والبحث عن الكلاء في الأراضي الواقعة تحت نفوذهم على بعد بضعة أيام من مسكنهم المعتاد. هذا التعريف صحيح بالنسبة لإقليم طرابلس الذي لا يتواجد فيه عموماً مقيمون بالمعنى الخالص للكلمة، ولو أن الكلمة مستعملة ومتداولة، إلا أنني غير مقتنع بنعت أهل الجبل بصفة المقيمين، ولا حتى المستقرين، فالناس الذين يمضون ما بين ثلاثة إلى أربعة أشهر خارج قراهم، وطيلة هذة المدة يقيمون تحت الخيام، ويضيفون أحياناً إلى هذا الغياب الطويل، إقامة تدوم أسابيع في المكان الذي تتواجد به أشجار التين، في ملكيتهم دون الحديث عن الحراثين والحصادين، الذين لا ينامون في بيوتهم لأسبوعين أو ثلاثة متتابعة - هؤلاء ليسو مقيمين بل رحلاً. رحل تماماً كنظائرهم القواليش على سبيل المثال، الذين يسكنون في الخيام طيلة العام، ذلك أن الترحال لا يتحدد بالسكن الذي لا يعدو أن يكون نتيجة، بل بتنقل الأسر بالمقام الأول والأخير. كل ساكنة الجبل اليوم هي عبارة عن رحل يمكن إدراجهم ضمن خانة "رحل المسافات القصيرة" كما تحدث عنهم [أوغستان برنارد]، وهم في ذلك مما تكون لعدد هائل من القبائل التونسية، وسكان الأطلس الصحراوي الجزائري"(1).

(1) - علماً بأن الكاتب هنا لا يدعي أنه بصدد القيام بتصنيف جغرافي بل فقط بتمييز بسيط وعلمي – مؤقت- غايته إسداء خدمة للإدارة ص18.

٢٢٠ / ٣٩٩