جغرافيا جبل نفوسة: دراسة ميدانية في الجغرافيا الطبيعية والبشرية جون ديبوا

جغرافيا جبل نفوسة

الجزء ١ · صفحة ٢٢٤

الهجرة : أهم التنقلات هي الناتجة عن حركة الهجرة، وحتى إن كانت لا تعني إلا عدداً قليلاً من الأفراد، الرجال منهم بصفة خاصة، إلا أنها هجرة تتطلب قطع مسافات طويلة. ويقوم أهم تيار هجروي من سكان هذه المنطقة إلى مناطق متفرقة في تونس. تونس هي أرض الملاذ في الأوقات الحالكة من تاريخ هؤلاء. فقد ظلت تونس بالنسبة للنفوسيين وعموم الطرابلسيين ذلك البلد الذي يهرب إليه من شدة البؤس، والذي يتيح فرص كسب بعض المال. تتوفر تونس على ما ينقص إقليم طرابلس، أقصد بذلك أرضاً خصبة تجذب إليها بثرواتها والحركية النسبية للحياة فيها.

إن تعاون الظهر وجزء من الجفارة في الاقتصاد الفلاحي للجبل، وبخاصة في الصيف - في الوقت الذي لم تكن تسمح فيه الغارات المتواصلة إلا باستعمال ناقص للسهوب الساحلية - أبعد ما يكون حلاً شافياً لمعظلة الكثافة السكانية. البؤس ودائماً البؤس هو الذي يدفع الأمازيغي إلى هجران الجبل دون استثناء بعض الأسباب الثانوية كالشجارات العائلية وسوء الحظ وروح المغامرة التي تدفع أفرادا هنا وهناك إلى مغادرة الجبل. ننوه هنا إلى أن "العرب" لا يهاجرون لأنهم يمتلكون ما يكفي ويزيد من المجال، عكس الأمازيغ المخنوقين في مرتفاعتهم وهم أكثر نشاطاً ومبادرة من جيرانهم.

ماذا يبحث هؤلاء البؤساء وهم يستيقظون ذات صبيحة زادهم "زميطة" في قاع الكيس، وبخطاهم المسرعة الحثيثة يتجهون إلى تونس؟ هل يبحثون عما يسدون به الرمق أو عن المال يعودون به إلى البلد؟ لا تخلو بقعة في تونس من طرابلسيين غالبيتهم العظمى نفوسيون ويمتهنون شتى الحرف والمهن. بعضهم حديث العهد بالوصول، وآخرون مقيمون منذ قرون كما هو شأن مهاجري فرسطا وهي قرية صغيرة مجاورة لكاباو، وكانوا قد وصلوا إلى غرب التل الأعلى قبل حوالي قرنين، وتم تشغيلهم في مناجم القلعة، ويعرفون باسم "فرافرا" كما أنشأوا بساتين صغيرة.

٢٢٤ / ٣٩٩