جغرافيا جبل نفوسة: دراسة ميدانية في الجغرافيا الطبيعية والبشرية جون ديبوا

جغرافيا جبل نفوسة

الجزء ١ · صفحة ٢٢٦

إن أهمية الهجرة الثقافية ثانوية. فما يبحث عنه النفوسيون بالدرجة الأولى في تونس هو المال، وثمرة عمل سواعدهم، وغالباً ما تكون الهجرة نهائية، فإما أن يغادر هؤلاء بلدهم دون نية العودة إليه، وإما أن تربطهم بالبلد المضيف روابط قوية كالزواج أو العمل وما إلى ذلك. غير أن الكثيرين منهم لا يهاجر إلا لبضع سنين، وما أن يستقر بتونس حتى يعود من حين لآخر إلى مسقط رأسه حاملاً معه بعض المال لعائلته، وأقصى ما يرغب فيه أغلبهم هو العودة إلى البلد الأصلي برأسمال مستقل، والعيش عيشة البسطاء، بعد اقتناء الأشجار وقطعة أرض وماعز ونعاج، ومن الوارد أن يكتسب الواحد من هؤلاء عادات سيئة في البلد المُضِيف، كروح الاستقلالية، والتدخين، وتناول الخمر، ومعاشرة النساء. لكن ما ان يعود إلى بلده حتى يتخلص منها بسرعة وهو سعيد بعودته إلى هذا الوسط الإباضي الزاهد الكفيل بإيصاله إلى الجنة.

حكى لي بعضهم باستياء بالغ كيف أن مهاجرين عائدين إلى البلد دوت فضائحهم بعد رفضهم التخلي عن عادة التدخين، وشهوات أخرى، فما كان لهذه الشياه الشاردة إلا أن تغادر مجدداً ذلك أن أرض جادو وكاباو طاهرة لا تقبل بمثل هؤلاء.

وحتى اليوم لا زالت الهجرة النفوسية جارية، وإن نسبة ضعيفة باتجاه تونس ذلك أن القليل من أهل المنطقة يذهب للعمل بسواحل طرابلس أو بطرابلس نفسها. ونجد آخرين يعملون في مجالات أخرى، والقليل من هؤلاء يشتغل في الأوراش الكثيرة التي فتحها الإيطاليون لأجل تجهيز مستعمرتهم، غير أن أكبر المستفيدين من هذه الأشغال هم أهل الساحل. لا يحب النفوسيون الاختلاط مع عامة طرابلس، ونادراً ما يشتغلون في بساتين الواحات، لأنه، حسب زعمهم، على غير دراية بتقنية "جلب المياه". لا يتواجدون بالبساتين تواجداً عابراً إلا في موسم جني التمور، أو عندما يقايضون منتوجاتهم بمنتوجات أخرى.

٢٢٦ / ٣٩٩