جغرافيا جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٢٢٨تتشابه هذه الهجرة القوية للنفوسيين مع هجرة قاطني الجنوب التونسي الذين يشدون بدورهم الرحال باتجاه شمال تونس، وأحياناً باتجاه الجزائر بحثاً عن موارد عيش إضافية تفرضها الكثافة السكانية والفقر المستشري في مواطن تواجدهم. ها هنا كذلك، تتميز حركة الهجرة بالقدم، وتكون تارة نهائية، وتارة أخرى مؤقتة، واللافت أن ساكنة كل قرية تتخصص، عموماً، في حِرفة بعينها فآل مطماطة حمّالون، أو يقيمون بأعمال سخرة، وآل شنيني معروفون بالطبخ، أما آل غمراسن فمنهم صناع أو مهيئو الفطائر (فطايري).
على أية حال، ننوه إلى أن حركة سكان الأراضي الجافة والفقيرة والمكتظة في البلاد المتاخمة للصحراء في اتجاه المناطق الشمالية الميسورة غير محصورة في شرق بلدان إفريقيا الشمالية. ذلك أن ظاهرة مماثلة نجدها عند الشلوح، الأطلس الكبير والأطلس الصغير بالمغرب الأقصى، والذين هاجروا باتجاه الشمال والتل الجزائري بحثاً عن الموارد المفقودة في موطنهم الأصلي، بينما امتهن المژابيون والجربيون - الذين ضاق بهم أرخبيل واحاتهم أو جزيرتهم - التجارة في المدن والقرى الشمالية.
النتائج نفسها هي التي تترتب عن هذه الهجرة حيثما حصلت، وتتمثل في فقدان المواطن الأصلية لرجالاتها مقابل اغتناء نسبي، لا يظهر ذلك جلياً في حالة النفوسيين لأنهم كثر، فالهجرة السنوية لعشرات من الفقراء لا يؤثر على الوزن العددي لهم، في مواجهة "العرب"، على أن مظاهر الاغتناء بادية للعيان من خلال البعثيات من تونس، أو بعد العودة منها، وتجعل النفوسيين في موقع قوة إزاء أندادهم "العرب".
الذين يهاجرون. عادة ما تصرف النقود المجلوبة من أرض الهجرة في شراء أشجار الزيتون والتين والأرض المشتراة من "العرب" فقط، ذلك أن الأمازيغ نادراً ما يبيعون أشجارهم.