جغرافيا جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٢٧رغم الثغرات الكبيرة في التوثيق المتوفر حول بلد لا زال من الناحية العلمية بكراً تقريباً. زد على ذلك أننا في منطقة يعاني أهلها من الإمكانيات المحدودة جداً، ما يفرض عليهم الخضوع الصارم لشروط طبيعة تختزل إلى حدودها الدنيا مقدرتهم على المبادرة وحرية التأقلم. وحده هكذا تحليل سيتيح لنا بيان كيفية تأقلم الاقتصاد مع الشروط الطبيعية القاسية ومع الكثافة السكانية في آن. أضف إلى ذلك مساعدة الساكنة الأمازيغية الإباضية على الوقوف في وجه التنافس الذي يفرضه عليها عموم المعربين وتحليل طبيعته وفحواه.
السكن أيضاً متأثر بالظروف الطبيعية ونمط العيش فضلاً عن رواسب ماضي سحيق يصعب هتك حُجُبُهُ. السكان أصليون بقدر ما هم متنوعون. يتجمعون في قرى تكشف دراستها عن تاريخ مضطرب. غير أن البلد يزخر كذلك بتجمعات سكنية لم تبق منها إلا الأطلال. فهل حصلت عمليات تنقل للقرى من أمكنة إلى أخرى؟ ألا تعبر هذه القرى المتداعية عن حالة قديمة من السكن كانت سائدة؟
إن هذه الدراسة التي ستتوغل بنا في ماض سحيق ستمدنا بمعلومات وافرة عن تاريخ منطقة قوامها وثائق مهمة جداً بالنسبة لنا، مقارنة مع ما بحوزتنا من نصوص فقيرة ومبتورة لا تفي بالغرض.
أخيراً وأخيراً فقط، سنحاول إعادة رسم، اعتماداً على التوثيق الأركيولوجي الثمين المحلل سلفاً وعلى شذرات من التاريخ، التحولات التي شهدها اقتصاد وساكنة الجبل. وهذه هي الوسيلة الوحيدة لفهم لماذا يعكس وجود الساكنة الحالية ماضياً مضطرباً في الوقت نفسه الذي يترجم تأقلماً وثيقاً مع الظروف الطبيعية الصعبة.
سلبية هذا التصميم تمكن في إعادتنا إلى وقائع سبق تحليلها والوقوع في محذور التكرار بالجزء الأخير. غير أنه الوحيد في تصوري الذي سيمكننا من التفطن إلى الأصالة العميقة لجبل نفوسة وساكنته.
الجزء الأول
الفصل الأول
1- الأراضي وأشكال التضاريس