قراءة في منطق الثورات لمصطفى بن دريسو
الجزء ١ · صفحة ٤قويين دامت ثماني سنوات، رغم صدق أبناء البلدين للإسلام، وغيرتهم على الدفاع عنه، أم أن هذه الثورات قد وعت التاريخ، وانطلقت من رحم الشعب العربي المتذمر من حكامه السابقين، وقرر أخيرا الحرية المطلقة من قيود ظلمة بني جلدته، وأغلال الأجنبي المتربص به، والراغب في استغلال ثرواته؟
وللأسف إني لا زلت أغلب الاحتمال الأول –وهو وقوع مشادات بين المسلمين ومع الغرب أيضا- لوجود إرهاصات أراها خطيرة، ومنبئة بمستقبل نسأل الله منه السلامة، ذلك أن تحريك الشعوب الإسلامية بمجرد إهانة الكافر -المصرح بمعاداته لله- لمقدسات المسلمين، وتهييج بعض المواطنين للاعتداء على بنايات الغرب في ديارهم، أو الاعتداء على مواطنيهم، سيكون إحدى الأسباب المختلقة للأمم -الهاوية اقتصاديا والمتخفية بالاستعلاء الظاهري- للتدخل في البلدان العربية التي تحكمها الأنظمة الإسلامية.
كما أن العداء الدفين زورا وبهتانا بين المسلمين، وأبناء أمة محمد صلى الله عليه وسلم لأجل خلافات عقدية واهية، وقضايا كلامية هيجتها السياسة الخبيثة، وأذكاها الصراع البارد بين العثمانيين والصفويين سابقا، سيبرز الغلو المذهبي بين الطوائف الإسلامية بكل أطيافها ويحوله إلى توترات ميدانية، وسيعمق الهوة بين المسلمين الذين يموهون أنفسهم بالاشتغال بالعدو الداخلي قبل الخارجي، ويجدون لشل ما يسمونه "مخططات" إخوانهم في الدين، قبل مخططات أعداء الله ورسوله الذين نص الله عن خبثهم بالنص القطعي اليقيني.
وأتصور أن حال أمتنا سيبقى يراوح مكانه ما لم نغير أنفسنا حقا، ونعمق النظر في إشكالنا، فنتخلى عن الأنانية، وخدمة مصالحنا الخاصة، فندعو إلى التسيير الذاتي لأمورنا دون الحاجة إلى الغرب، وتفعيل الإنتاج الصناعي والزراعي على نفس خطى دول آسيا، وصياغة رسالة حضارية مفادها:
نحن أمة مسؤولة أمام ربها عن تخلفها، وستحاسب يوم القيامة عن واقعها المشتت شيعا
فليكن لك هذا أخي القارئ محفزا لتحريك ضميرك للجد والاجتهاد في جميع الأصعدة الفكرية والعلمية والزراعية والصناعية والاقتصادية، ومن ثم السياسية في آخر المطاف، ولنا في التوجيه الرباني ما يؤكد تحليلنا:
إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ. وَإِذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ، وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِنْ وَّالٍ (سورة الإسراء: 11).
وَكَذَالِكَ جَعَلْنَاكُمُ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ (سورة البقرة: 143).