تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ١١الْخُرُوجُ عَلَيْهِ خُرُوجًا عَلَى الشَّرِيعَةِ.
وَنَقُولُ: إنَّ الْفِقْهَ الإِسْلاَمِيَّ وَإِنْ كَانَ مَجْمُوعَةَ آرَاءٍ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ، إلاَّ أَنَّ هَذِهِ الآرَاءَ لاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُعْتَمِدَةً عَلَى نَصٍّ شَرْعِيٍّ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، حَتَّى إنَّ الآرَاءَ الْمُعْتَمِدَةَ عَلَى الإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَغَيْرِهَا مِنَ الأَدِلَّةِ الْمُسَانِدَةِ لاَ بُدَّ أَنْ تَرْجِعَ - أَخِيرًا - إلَى كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ. فَالإِجْمَاعُ والقياس - مَثَلاً - لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا سَنَدٌ مِنْ نَصٍّ قُرْآنِيٍّ أَوْ سُنَّةٍ مَقْبُولَةٍ … وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ لَنَا أَنَّ وَجْهَ الْقَدَاسَةِ فِي الْفِقْهِ الإِسْلاَمِيِّ هُوَ بِالنَّظَرِ إلَى مَصَادِرِهِ؛ وَلِذَا رَأَيْنَا الْفُقَهَاءَ - عَلَى مَدَى الْعُصُورِ - يَرْفُضُونَ كُلَّ رَأْيٍ لاَ تَشْهَدُ لَهُ الشَّرِيعَةُ مَهْمَا كَانَ قَائِلُهُ، فَأَيْنَ هَذَا مِنَ الْفِقْهِ الْوَضْعِيِّ الَّذِي بُنِيَتْ أَكْثَرُ أَحْكَامِهِ عَلَى الأَهْوَاءِ وَالأَغْرَاضِ وَتَرْضِيَةِ أَصْحَابِ النُّفُوذِ؟!.
2 - وَقَدْ يَقُولُونَ أَيضًا: إنَّ الْفِقْهَ الإِسْلاَمِيَّ لَمْ يُعَالِجْ مَشَاكِلَ الْعَصْرِ وَمَا جَدَّ مِنْ أَحْدَاثٍ …
فالجواب: إِنَّ هَذِهِ دَعْوَى كَذَّبَهَا التَّارِيخُ، لأَنَّ هَذَا الْفِقْهَ حَكَمَتْ بِهِ دُوَلٌ وَشُعُوبٌ مُخْتَلِفَةٌ عَلَى مَدَى ثَلاَثَةَ عَشَرَ قَرْنًا، فَكَانَ فِيهِ لِكُلِّ مُشْكِلَةٍ حَلٌّ، حَتَّى فِي عَهْدِ التَّقْلِيدِ وَالْجُمُودِ، فَقَدْ رَأَيْنَا فِي كُلِّ عَصْرٍ مُفْتِينَ وَعُلَمَاءَ وَجَدُوا فِي هَذَا الْفِقْهِ حَلاًّ لِمَشَاكِلِ هَذِهِ الْمُجْتَمَعَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ. وَلَوْلاَ إبْعَادُ هَذَا الْفِقْهِ - عَنْ قَصْدٍ أَوْ غَيْرِ قَصْدٍ - عَنْ مَجَالاَتِ الْحَيَاةِ أَوْ أَكْثَرِهَا لَوَجَدْنَاهُ مُسَايِرًا لِكُلِّ عَصْرٍ، حَلاَّلاً لِكُلِّ مُشْكِلَةٍ … فَإِنَّ لِكُلِّ فِعْلٍ يَصْدُرُ مِنَ الإِنْسَانِ حُكْمًا شَرْعِيًّا، سَوَاءٌ مَا يَتَّصِلُ بِالْعِبَادَاتِ أَوِ الْمُعَامَلاَتِ أَوْ أَحْكَامِ الأُسْرَةِ أَوِ الْقَضَاءِ أَوِ السِّلْمِ أَوِ الْحَرْبِ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إنَّ هَذَا الْفِقْهَ عَاجِزٌ عَنْ عِلاَجِ مَشَاكِلِ الْمُجْتَمَعِ الْجَدِيدِ. فَلَيْسَ الْعَيْبُ فِي الْفِقْهِ الإِسْلاَمِيِّ، إنَّمَا الْعَيْبُ فِي عَدَمِ تَطْبِيقِهِ.
فَإِنْ كَانَ الْغَرَضُ مِنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ الْفِقْهَ الإِسْلاَمِيَّ قَاصِرٌ عَنْ مُجَارَاةِ مَشَاكِلِ الْعَصْرِ أَنَّهُ لاَ يَسْتَجِيبُ لِلأَهْوَاءِ الْجَامِحَةِ فَنَحْنُ مَعَهُمْ؛ لأَنَّ الْفِقْهَ الإِسْلاَمِيَّ إنَّمَا أَرَادَ اللَّهَ لَهُ أَنْ يُقِيمَ بِهِ أُمَّةً تَسِيرُ عَلَى الْجَادَّةِ الْوَاضِحَةِ وَالْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ … لاَ أَنْ يَكُونَ مَطِيَّةً لِذَوِي الأَهْوَاءِ يُحِلُّونَ هَذَا الشَّيْءَ حِينًا وَيُحَرِّمُونَهُ حِينًا.
3 - وقد يَتَجَرَّأُ الْبَعْضُ وَيَقُولُ: إنَّ الفقه الإِسلاَمِيَّ أَصْبَحَ تَارِيخًا، كَتَشْرِيعِ الآشُورِيِّينَ وَقُدَمَاءِ الْمِصْرِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الْبَائِدَةِ.
الجواب: إِنَّ هَذَا الْقَوْلُ لاَ يُعَبِّرُ بِهِ قَائِلُهُ إلاَّ عَنْ هَوًى فِي نَفْسِهِ. وَلَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُخْلِفٌ ظَنَّهُ، فَقَدْ رَأَيْنَا الْكَثْرَةَ الْكَثِيرَةَ مِنَ الشُّعُوبِ الإِسْلاَمِيَّةِ تُنَادِي بِوُجُوبِ الرُّجُوعِ إلَى شَرِيعَةِ اللَّهِ الْمُتَمَثِّلَةِ فِي الْفِقْهِ الإِسْلاَمِيِّ. وَاَلَّذِي سَيُصْبِحُ تَارِيخًا - إنْ شَاءَ اللَّهُ - هُوَ الْفِقْهُ الْوَضْعِيُّ الَّذِي لَمْ يَطُلْ أَمَدُهُ فِي الْبِلاَدِ الإِسْلاَمِيَّةِ إلاَّ قَرْنًا أَوْ أَقَلَّ مِنْ قَرْنٍ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ ضَاقَتْ بِهِ النُّفُوسُ، وَلَمْ يَبْقَ مُتَعَلِّقًا بِهِ إلاَّ شِرْذِمَةٌ تَرَى أَنَّ حَيَاتَهَا مُرْتَبِطَةٌ بِحَيَاتِهِ، وَسَعَةَ أَرْزَاقِهَا مَنُوطَةٌ بِبَقَائِهِ. وَلَكِنَّ اللَّهَ سَيُظْهِرُ دِينَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.