تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ١٢خصائص الشريعة الإِسلاَمِيَّة(1):
1 - الرَّبَّانيَّة:
أ- معنى الربَّانيَّة:
الربَّانيُّ هو المنسوب إلى الربِّ جلَّ جلاله، قال تعالى: ﴿ … كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (آل عمران: 79)، أي متَّبعين لأوامره في جميع شؤون حياتكم. وكونها ربَّانيَّة فمن جهتين: المصدر والغاية:
- أَمَّا مصدرها فمن عند الله تعالى. وهي الشريعة السماويَّة الوحيدة الباقية على أصلها الربَّانيِّ لم تحرَّف، لأن الله عزَّ وجلَّ تكفل بحفظ أصلها الأوَّل، إذ قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)، وقال تعالى عن أصلها الثاني وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: 3 ـ 4).
- أما غايتها، فهي تحقيق عبوديَّة الإنسان المطلقة لله عزَّ وجلَّ، ونيل مرضاته، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56)، فبذلك تكون كُلُّ شؤون حياته لله: ﴿قُلِ اِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَآيْ وَمَمَاتِيَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة الأنعام: 162).
ب- أهمية هذه الخاصِّيَّة:
1 - أَنَّهَا تحمل الكمال؛ لأَنَّ الله تعالى مُتَّصِف بالكمال المطلق. وبالتالي لا يمكن أن يعتريها شيء من الباطل مطلقا، كما قال الله تعالى عن كتابه العزيز: ﴿لاَّ يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِنم بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصِّلت: 42).
2 - أَنَّهَا تحقِّق عمارة الكون لأَنَّهَا صدرت من الخالق، وهو أعلم بما يصلح لمخلوقاته؛ قال تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك: 14). بخلاف غيرها من التشريعات البشريَّة فإنها قاصرة بحسب الأفهام والمدارك المحدودة لأولئك البشر وبحسب أهوائهم.
3 - أَنَّ أحكامها تنفَّذ بدافع ووازع داخليَّين لدى المؤمن، قبل الرادع القضائي، كما هو الشأن في أحكام القوانين الْوَضْعِيَّة.
ج- نتيجة هذه الخاصِّيَّة:
- أن يسلِّم المؤمن في كُلِّ شؤون حياته بِكُلِّ ما شرعه الله من أحكام، عن اقتناع وطيب نفس، باعتبارها صادرة من ربٍّ حكيم عليم بما يصلح لخلقه، قال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُومِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ
(1) ينظر: القرضاوي: الخصائص العَامَّة للشريعة الإِسلاَمِيَّة، .... التيواجني: الفقه والتشريع، ص15 - 26.