تاريخ التشريع الإسلامي مصطفى بن محمد شريفي

تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ١٤

الشريعة الإسلاميَّة واضحة المعالم، سهلة التصوُّر، لا خفاء فيها ولا غموض. بخلاف تشريعات بعض فلاسفة اليونان القدامى، يتخيَّلونها بالتخمين البعيد عن الواقع المحسوس.

وهي واضحة من حيث مبادئها، فهي تقوم عَلَى أساس توحيد الله تعالى وإخلاص العبادة له. بخلاف ما عند من عقائد باطلة غامضة، كالتثنية والتثليث(1)، والنرفانا(2) وتناسخ الأرواح(3).

وهي واضحة من حيث التكليف ومسؤولية كلِّ إنسان عن عمله. قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسِم بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدَّثِّر: 38). بخلاف ما عند النصارى، في اعتقادهم أنَّ كلَّ إنسان يتحمَّل وزر خطيئة آدم، وأنَّ المسيح قد صُلب وخلَّص البشريَّة من خطيئتها الأولى.

6 - التوازن:

الشريعة قائمة عَلَى التوازن والوسطيَّة والعدل، والفضيلة وسط بين رذيلتين، قال تعالى: ﴿وَكَذَالِكَ جَعَلْنَاكُمُ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: 143)، ومظاهر التوازن في الشريعة الإسلامية كثيرة، منها:

- التوازن في مصادر المعرفة: بين النقل والعقل، أي بين الوحي وبين النظر العقلي.

- التوازن بين عالم الغيب وعالم الشهادة. خلافا لما عند الماديين قديما وحديثا، المنكرين لِمَا وراء الْمَادَّة (الميتافيزيقا).

- التوازن بين سموِّ الروح وسلامة الجسد. أي بين تزكية النفس، كما قال تعالى: ﴿قَدَ اَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ (الشمس: 9)، وبين أداء الحقوق الواجبة، كما في الحديث: «إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ»(4). والتوازن بين إباحة الطَّيِّبَات وعدم تجاوز الحدود فيها: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (سورة الأعراف: 31)، {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ التِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَالِكَ نُفَصِّلُ الاَيَاتِ لِقَوْمٍ

(1) التثنية: اعتقاد وجود إلهين: إله الخير وإله الشر، الظلمة والنور. والتثليث هو ما عند النصارى.

(2) النرفانا: من عقائد الهندوس، وهو الوصول بطريق التعبد بتعذيب النفس إلى الصفاء الروحي.

(3) تناسخ الأرواح: من عقائد الهندوس أيضًا، وهو أنه إذا مات الشخص الطيب حلَّت روحه في شخص آخر طيب، وأما السيئ فقد تحلُّ روحه في حيوان …

(4) هذا من كلام سلمان االفارسي لأبي الدرداء، وقد أقرَّه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. رواه البخاري في كتاب الأدب، باب صنع الطعام والتكلف للضيف، رقم 5788، 5/ 2273.

وفي حديث آخر: كان عبد الله بن عمرو بن العاص يبالغ في عبادته، فبلغ خبرُه الرَّسُولَ - صلى الله عليه وسلم -، فقال له: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ؟ قَالَ: إِنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ، قَالَ: فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنُكَ، وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ حَقًّا، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ». رواه البخاري في كِتَاب الجمعة، باب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه، حديث 1102، 1/ 387.

وقوله: «هَجَمَتْ عَيْنُكَ»: أي غارت ودخلت في موضعها. «وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ»: تعبت وكلَّت.

١٤ / ١٠٩