تاريخ التشريع الإسلامي مصطفى بن محمد شريفي

تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ١٦

إِسْرَآئِيلَ} (سورة آل عمران: 49)، وهكذا … وكانت تلك الرسالات لا تحمل مقوِّمات دوامها وصلاحيتها لِكُلِّ زمان ومكان، أَمَّا شريعة سَيِّدنَا محَمَّد - صلى الله عليه وسلم - فهي إلى كَافَّة الناس، قَالَ تَعَالىَ: ﴿قُلْ يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (سورة الأعراف: 158)، وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سورة سبأ: 28)، وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (سورة الأنبياء: 107)، فهي شاملة لِكُلِّ مُكَلَّف، إِنسًا أو جِنًّا، ذكرا أو أنثى، إلى أن يرث الله الأَرض ومن عَلَيْهَا؛ لأَنَّهُ لا نبيَّ بعد سَيِّدنَا محَمَّد - صلى الله عليه وسلم -، ولا شريعة بعده، فهو خاتم الأنبياء والمرسلين، فكانت تحمل عناصر الدوام والصلاحيَّة لِكُلِّ زمان ومكان، تساير تَطَوُّرهما، وتناسب تعقُّد شُعب الحياة. ولا يستثنى من هَذَا العموم غيرُ ما ثبتت خصوصيَّته للنَّبِيء - صلى الله عليه وسلم -، وهو قليل جِدًّا، ومعلوم لدى الفقهاء لا لَبْس فيه.

9 - حفظ مصدريها من التحريف أو البديل(1):

تكفَّل الله تَعَالىَ بحفظ المصدر الأَوَّل، وهو القرآن الكريم، وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (سورة الحجر: 9)، وقال: ﴿كِتَابٌ اُحْكِمَتَ ـ ايَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (سورة هود: 1)، وقال: ﴿لاَّ يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِنم بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (سورة فصلت: 42)، فالقرآن محفوظ إلى أن تقوم الساعة، ولن يستطيع أحد تغيير شَيْء منه، بخلاف الكتب السَّمَاوِيَّة الأخرى التي كُلِّف أصحابها بحفظها فبدَّلوا وغيَّروا وأخفوا ما شاؤوا وفق أهوائهم.

كما قيَّض الله تَعَالىَ لسنَّة نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - علماء ينقِّحونها، ويميِّزون بين صحيحها وسقيمها، وفق قواعد صارمة، ووفق كُلِّيَّات الشريعة، ووفق قواطع كِتَاب الله المحفوظ. ولا تزال عَمَلِيَّة التنقيح متواصلة، وَبِخَاصَّةٍ مع توفُّر وسائل البحث الحديثة (برامج رقمية) فَإِنَّهُ يسهل العمل أكثر من ذي قبل.

ويشمل الحفظ أَيضًا حفظ وعاء المصدَرَيْنِ، وهو اللغة العَرَبِيَّة، والتي تبارى العلماء في تدوينها وضبطها، وخدمتها بمختلف علوم العَرَبِيَّة، من لغة ونحو وبلاغة وبيان، وضبطوا قواعد لاستنباط الأحكام منهما، بعلم الفقه وأصوله وَكُلِّ ما يخدمه من فنون متفرِّعة عنه.

(1) يوسف حامد العالم: المقاصد العَامَّة للشريعة الإِسلاَمِيَّة، ص48 - 50.

١٦ / ١٠٩