تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ١٨الدور الأَوَّل:
التشريع في عصر النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -(1)
حالة العرب ومَن حولَهم عند بعثة النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -(2):
الديانات الموجودة في تلك الفترة هي: الوثنية (العرب والفرس)، والنصرانية (الروم)، واليهودية.
كانت في القرن السادس الميلادي ـ قبيل البعثة ـ دولتان: الفرس والروم، وَلِكُلٍّ منهما ثقافة وقانون وديانة.
أَمَّا دولة الفرس فقد سادت في الشمال الشرقي لشبه الجزيرة العَرَبِيَّة، وكان تعتقد بوجود إلهين: إله الخير وإله الشرِّ، وبينما تصادم مستمرٌّ، وفي النهاية ينتصر إله الخير، وَيُمَثِّلُه النور، أو النار؛ لِذَلِكَ فهم يعبدونها ويقدِّسونها. كما يؤمنون بوجود الحياة الأُخرَوِيَّة.
وَأَمَّا دولة الروم فقد سادت مناطق البحر الأبيض المتوسِّط (المغرب ومصر والشام)، إضافة إلى الحبشة والشام، وديانتها هي النصرانيَّة، واستعانت بالفلسفة اليونانية للجدال دفاعا عن معتقداتها أمام الوثنيِّين، وقاموا بترجمة كتب القانون والطبِّ والفلك والفلسفة.
وكان لليهوديَّة وجود في شمال الجزيرة وفي وسطها، بيثرب وخيبر وتيماء وفدك.
وَأَمَّا العرب قبل مبعث النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقد كان أغلبهم بدوا رحَّلا، عَلَى شكل قبائل متنافسة، لا يربطها قانون، ولا يوجِّهها دين، وأشربت قلوبهم عبادة الأصنام، وكان الجهل سائدا فيها، إذ لم تتأثَّر بالثقافات والفلسفات المحيطة بها إِلاَّ قليلا، كما هو شأن الإمارات الموالية للدولتين: الفرس والروم.
ومع ذَلِكَ فقد كان لها عادات حسنة وأخلاق طَيِّبَة، سرت إِلَيْهِم من شريعة أبيهم إسماعيل، ومن احتكاكهم بديانة اليهود والنصارى الذين يعيشون بينهم أو في بلاد مجاورة، ومن ذَلِكَ القصاص في القتلى، والدية عَلَى العاقلة، والنكاح بالوليِّ والصداق.
إِلاَّ أَنَّ هَذِهِ العادات الحسنة لم تكن قانونا يضبط تصرُّفاتهم، ولا أمرا ملزِمًا للجميع، بل كانت ضوابط قليلة غير كافية لتحقيق النظام، ولا رادعة للفساد.
في هَذِهِ الظروف الاِجتِمَاعِيَّة وَالدِّينِيَّة المتردِّية، أرسل الله نبيَّه محَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم -، ليبدِّد ظلمات هَذِهِ الغواية، ويخرج