تاريخ التشريع الإسلامي مصطفى بن محمد شريفي

تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ١٩

الناس إِلىَ أنوار الهداية؛ فتحوَّل العرب من بداة جفاة، إِلىَ حماة للدين، وحافظين لحرماته.

وهنا يبدأ الدور الأَوَّل للتشريع الإِسلاَمِيِّ، بالبعثة النَّبَوِيَّة قبل الهجرة بثلاث عشرة سنة، وينتهي بوفاة الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم -، في ربيع الأَوَّل من السنة الحادية عشرة. وَهَذَا الدور الأَوَّل ذو فترتين: مَكِّيَّة ومَدَنِيَّة، لكلٍّ منهما خصائصها.

التشريع في مَكَّة المكرَّمة:

تميزت هَذِهِ الفترة بالدعوة إِلىَ:

- الإيمان بِاللهِ وتوحيده، والإيمان بالأنبياء والرسل، واليوم الآخر.

- التفكير وإعمال العقل والنظر في ملكوت السَّمَاوَات وَالأَرْضِ، لتركيز العقيدة الصحيحة في النفوس.

- الاعتبار بقصص الأمم السابقة، التي كذَّبت رسلها، وعصت رَبَّهَا، والتي يشاهدون آثارها الباقية في رحلاتهم المختلفة.

- نبذ تقليد الآباء في عاداتهم السَّيِّئَة، كالقتل والزنا ووأد البنات، والتعدِّي والعصبيَّة.

- نشر الفضائل والأخلاق الحميدة، كالعدل والإحسان والوفاء والتعاون عَلَى البرِّ والتقوى لا عَلَى الإثم والعدوان.

وقد ركَّز القرآن المكيُّ عَلَى هَذِهِ الجوانب في أغلب آياته، وبشتَّى الأساليب.

والمتأمِّل في ما شُرع قبل الهجرة يلاحظ أَنَّ له مساسًا بحماية العقيدة، ومحاربة الرذائل الخطيرة في الحياة الإِنسَانِيَّة، كتحريم الميتة وما لم يذكر اسم الله عَلَيْهِ، أَو ما أهلَّ لغير الله به. ونجد في هَذِهِ المرحلة تشريع الصلاة والزكاة، وَلَكِنَّ التفاصيل الدقيقة لكيفيَّة أدائهما إِنَّمَا بُيِّن أكثرها بعد الهجرة. وأغلب العبادات (غير الصلاة والزكاة) لم تشرع إِلاَّ بعد الهجرة.

والحكمة من كُلِّ هَذَا تليين قلوب الناس، والتخفيف من حدَّة طبعهم، وتسييرهم في مناهج لم يألفواها.

التشريع في المدينة المنوَّرة(1):

مثَّلت الهجرة حدًّا فاصلا بين عهدين. واستطاع المسلمون في المدينة أن يشكِّلوا مجتمعا، ويكوِّنوا دولةً، وتميَّز مجتمع المدينة بِعِدَّةِ طوائف:

- المهاجرين من مَكَّة أساسا، ومن سائر أقطار الجزيرة العَرَبِيَّة.

(1) القطان: تاريخ التشريع الإِسلاَمِيِّ، ص56 فما بعد.

١٩ / ١٠٩