تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٢٢الْعُلَمَاءُ، وَلاَ يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلاَ تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ. مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هَدَى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ»(1).
من مميزات القرآن الكريم(2):
من المعلوم أَنَّ من القرآن الكريم ما هو مَكِّيٌّ ومنه ما هو مدنيٌّ، وقد لاحظ العلماء أَنَّ لِكُلٍّ منهما مميِّزات ذكروها في مُصَنَّفاتهم الخَاصَّة بعلوم القرآن(3). ونكتفي هنا بذكر السمات العَامَّة للقرآن إجمالا، مكيِّه ومدنيِّه، والتي تَتَمَثَّلُ فيما يأتي:
- أَنَّهُ معجزة فِكرِيَّة، خلافا لمعجزات الأنبياء السابقين التي كانت حِسِّيَّةً فيما نبغ فيه قومه. وَإِنَّ أَوَّل آية نزلت في القرآن تأمر بالقراءة، وفي ذَلِكَ إشارة إلى أَنَّ البَشَرِيَّة قد بلغت مستوى من النضج العقليِّ، فكان تحدِّيها بما يحيِّر عقولها، إلى أن يرث الله الأَرض ومن عَلَيْهَا، بما اشتمل عَلَيْهِ من شَتَّى أنواع الإعجاز: البلاغيِّ، والعلميِّ، والغيبيِّ، والتشريعيِّ … مِمَّا لا تزال البَشَرِيَّة تكتشفه يوما بعد يوم.
- أَنَّ أحكامه كُلِّيَّة لا جُزئِيَّة غالبا، وإجمالية لا تفصيلية، فيُحتاج في تفصيلها وتبيينها إِلىَ السنَّة المبيِّنة له، وَإِلىَ إعمال العقل بالاجتهاد، وَهَذَا شرف لِهَذِهِ الأُمَّة، لتُعمل عقولها في الاستنباط. وهو أَيضًا مِمَّا يضمن للشريعة عمومها واستمرارها عَبْرَ الزمان والمكان، واستيعابها لِكُلِّ النوازل والمستجدَّات.
- أَنَّ منه ما نصٌّ قطعيُّ الدلالة، لا مجال للاجتهاد فيه، ولا يجوز الاختلاف بشأنه، كوجوب الصلاة والزكاة والصوم، وأنصبة الميراث، وحدود الزنى والقذف … ومن أنكر شَيْئًا من تلك الأحكام يعدُّ خارجا عن الْمِلَّة. ومنه ما هو ظَنِّيُّ الدلالة، بحيث لا يتعيَّن المراد منه، فتوزَّعت آراء الْمُفَسِّرِينَ في فهمه، واختلفت مذاهبهم بشأنه، ومنكر أحد تلك الآراء لا يعدُّ خارجا عن الْمِلَّة.
- أَنَّهُ لا يورد الأحكام جَافَّة مُجَرَّدة، كما هو شأن القوانين الْوَضْعِيَّة، وَإِنَّمَا يحفُّها بالترغيب والترهيب، مِمَّا يبعث النفوس عَلَى الامتثال والإذعان بقلوب مطمئنَّة راضية.
(1) أَوَّل الحديث عن الْحَارِثِ الأَعْوَرِ قَالَ: مَرَرْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ فِي الأَحَادِيثِ، فَدَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلاَ تَرَى أَنَّ النَّاسَ قَدْ خَاضُوا فِي الأَحَادِيثِ؟ قَالَ: وَقَدْ فَعَلُوهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: أَلاَ إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، فَقُلْتُ: مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: كِتَابُ اللَّهِ … » الحديث. الترمذي: كِتَاب فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل القرآن، حديث رقم: 2906، 5/ 172. «قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَإِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ وَفِي الْحَارِثِ مَقَالٌ». ورواه الدارمي، كِتَاب فضائل القرآن، باب فضل من قرأ القرآن، رقم: 3331، 2/ 526.
(2) ينظر: الأشقر: تاريخ الفقه، ص. القطان: تاريخ التشريع الإِسلاَمِيِّ، ص 71 - 73.
(3) ينظر: الزركشي: البرهان في علوم القرآن. السيوطي: الإتقان في علوم القرآن. الزرقاني: مناهل العرفان في علوم القرآن. مناع القطان: مباحث في علوم القرآن …