تاريخ التشريع الإسلامي مصطفى بن محمد شريفي

تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٢٣

- أَنَّهُ يورد الأحكام متفرِّقة في مواضع مختلفة، متوزعة بين عِدَّة سور، ولم يذكرها الله تَعَالىَ عَلَى منهج الكتب الْمُؤَلَّفة، والتي تذكر الأحكام الْمُتَعَلِّقَة بِشَيْءٍ واحد في مكان واحد. فنجد أحكام الحج مذكورة في سورة البقرة والمائدة والحج. وأحكام النكاح والطلاق والعدَّة مذكورة في سورة البقرة والنساء والأحزاب والطلاق …

- نزوله حسب الوقائع والمناسبات، لا كالتوراة التي نزلت جملة واحدة، قَالَ تَعَالىَ: ﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً﴾ (الإسراء: 106)، فهو قد ينزل وفقا للحوادث، أو جوابا لاستفتاءات. فمن الأَوَّل قَوله تَعَالىَ: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُومِنَّ وَلأَمَةٌ مُّومِنَةٌ خَيرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوَ اَعْجَبَتْكُمْ … ﴾ (البقرة: 221)، فقد نزلت في مرثد الغنوي الذي عرضت عَلَيْهِ مشركة الزواج به، فاستأذن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -، فنزلت الآية. ومن الثاني قَوله تَعَالىَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ … ﴾ (البقرة: 215، 219)، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلِ اِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾ (البقرة: 220)، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الاَنفَالِ﴾ (الأنفال: 1). وقلَّما ينزل القرآن ابتداءً غير مسبوق بحادثة أو استفتاء.

- كان القرآن ينزل منجَّما، فقد تنزل السورة كاملة، كالفاتحة والأنعام، أو بعض الآيات، كالآيات العشر في حادث الإفك، أو بعضٌ من آية، كزيادة قَولِهِ تَعَالىَ: ﴿غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾، عند قوله: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُومِنِينَ غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ (النساء: 95).

ولنزوله منجَّما حِكَمٌ ذُكر بعضها في قَوله تَعَالىَ: ﴿وَقَالَ الذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَالِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً وَلاَ يَاتُونَكَ بِمَثَلٍ اِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (الفرقان: 32 - 33)، ويمكن تفصيلها فيما يلي(1):

• تثبيت قلب النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، خَاصَّةً مع نفور الناس عن دعوته، وإيذائه، فكان القرآن ينزل بين الفينة والأخرى ليؤيِّده في الحقِّ، ويسلِّيه بما يقصُّ عَلَيْهِ من أنباء الرسل ما يثبِّت به فؤاده، مِمَّا يبعثه عَلَى الصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ويعده بالنصر كما نصر من سبقوه.

• التحدي والإعجاز.

• تسهيل حفظه عَلَيْهِ - صلى الله عليه وسلم -، فهو أُمِّيٌّ لا يقرأ، ووسط قوم أغلبهم أُمِّيُّون.

• نزوله مفرَّقا حسب الحوادث والحاجة يكون أدعى للامتثال والقبول.

• التدرُّج في التكاليف، فلا يثقل عَلَى العباد الامتثال، كالتدرُّج في تحريم الخمر. فهو علاج لأدوائهم المتجذرة في نفوسهم، بجرعات خفيفة، بدءًا بترسيخ الإيمان، ونشر محاسن الأخلاق، وتدرُّجا في التشريع إلى كُلِّ

(1) ينظر: القطان: تاريخ التشريع الإِسلاَمِيِّ، ص43 - 52.

يضيف القطان في آخر كلامه عن حِكَم تنجيم القرآن أَنَّهُ يمكننا الاستفادة من هَذَا المنهج في التربية والتعليم، بـ «مراعاة المستوى الذهني للطلاَّب، وتنمية قدراتهم العَقلِيَّة والنفسيَّة والجسميَّة بما يوجهها وجهة وجهة سديدة إلى الخير والرشاد». ص51.

٢٣ / ١٠٩