تاريخ التشريع الإسلامي مصطفى بن محمد شريفي

تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٢٤

جوانب الحياة الدِّينِيَّة وَالْعَمَلِيَّة.

وقد وضحت عائشة رَضِيَ اللهُ عَنهَا الحكمة من التدرج في التشريع القرآنيِّ قائلة: «إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ الْمُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الإِسْلاَمِ نَزَلَ الْحَلاَلُ وَالْحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لاَ تَشْرَبُوا الْخَمْرَ، لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ الْخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ: لاَ تَزْنُوا، لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا»(1).

• الدلالة عَلَى أَنَّ القرآن من عند الله، فقد نزل في مُدَّة 23 سنة، ومع ذَلِكَ عندما يقرؤأه المرء يجده «محكم النسج، دقيق السبك، مترابط المعاني، وصين الأسلوب، متناسق الآيات والسور … ولو كان هَذَا القرآن من كلام البشر قيل في مناسبات مُتَعَدِّدَة ووقائع متتالية وأحداث متعاقبة لوقع التفكك والانفصام، واستعصى أن يكون بينه التوافق والانسجام، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ (سورة النساء: 82).

حفظ القرآن:

كان الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - يحفِّظ الصحابة ما ينزل من القرآن، ويمليه عَلَيْهِم ليكتبوه، وكان من كُتَّابه: الخلفاء الأربعة، وزيد بن ثابت، والمغيرة بن شعبة، والزبير بن العوَّام، وخالد بن الوليد، وثابت بن قيس، ومعاوية بن أبي سفيان … وكانت الكِتَابة متفرِّقة بين الصحابة في الجلود والرقاع وصفائح الحجارة وكسر الأكتاف، وَلَكِنَّهَا لم تكوِّن نسخة كاملة من القرآن الكريم.

أَمَّا القرآن المحفوظ في الصدور فقد اكتمل كما هو عَلَيْهِ الآن قرب وفاة الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم -، لدى بعض الصحابة، منهم: عبد الله بن مسعود، وأبيُّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وسالم بن معقل مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل.

كان الصحابة يَتَعَلَّمُون العلم والعمل معا، فـ «عن عثمان وابن مسعود وأُبي أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرئهم العشر فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حَتَّى يَتَعَلَّمُوا ما فيها من العمل، فيعلِّمنا القرآن والعمل جميعا»(2).

أساس التشريع في القرآن(3):

قام التشريع الإِسلاَمِيُّ في القرآن عَلَى أسس ثلاثة:

أ- عدم الحرج. ب- قِلَّة التكاليف. ج- التدرُّج في التشريع.

أ - عدم الحرج:

ليس في التكاليف الإِسلاَمِيَّة شَيْء من الشدَّة والمشقَّة، ولا نعني به انتفاء أصل المشقَّة البتَّة، فالمشقة نوعان:

(1) البخاري: الصحيح، كتاب فضائل القرآن، باب تأليف القرآن، حديث رقم: 4707، 4/ 1910.

(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 1/ 39. ابن كثير، 1/ 4. والحارث بن عبد الله ضُعِّف لاتهامه بالتشيُّع.

(3) ينظر: السايس: تاريخ الفقه، ص 30 - 34.

٢٤ / ١٠٩