تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٢٥- مشقة معتادة، وهي لا تعتبر في العرف مشقة، فمثل هَذِهِ لا يقصد الشارع إِلىَ رفعها، فَإِنَّ كُلَّ عمل في الحياة لا يخلو من مشقَّة، فَهَذِهِ لا مانع من وقوعها، إذ لا يَتَحَقَّق التكليف إِلاَّ بها، والتكليف هو طلب ما فيه كلفة.
- مشقَّة زائدة تضيق بها الصدور، وتستنفد الجهود، وتؤثر عَلَى المرء في جسمه أو ماله … فَهَذِهِ هِيَ التي تفضَّل الله عَلَى الأُمَّة برفعها، قَالَ تَعَالىَ: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: 185)، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فيِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: 78). وإذا تتبَّعنا أحكام الشريعة وجدنا مظاهر رفع الحرج جليَّة، فالصلاة خمس مَرَّات في اليوم، وتقصر في السفر، ويرخَّص للمريض في أدائها بالإيماء. والصوم شهر واحد في السنة، وأبيح الإفطار فيه لمن يلحقه ضرر أو مشقَّة، والزكاة ربع العشر من المال المخصوص، وأقصى مقاديرها العشر. والحجُّ مَرَّة في العمر … وهكذا في سائر التكاليف. وقد استقرأ العلماء موارد التخفيف فوجدوها عَلَى سبعة أنواع:
1 - إسقاط الفرض في حال العذر، كالحجِّ عند عدم الأمن.
2 - النقص من المفروض، كالقصر في السفر.
3 - الإبدال، كإبدال التيمم من الوضوء.
4 - التقديم، كالجمع بعرفات.
5 - التأخير كالجمع بمزدلفة.
6 - التغيير، كتغيير نظام الصلاة عند الخوف.
7 - الترخيص، كأكل الميتة عند المخمصة.
2 - قِلَّة التكاليف:
امتازت الشريعة الإِسلاَمِيَّة عن سابقاتها بقلة التكاليف، وخفَّتها، وكانت وسطا بلا إعنات ولا إرهاق، قَالَ تَعَالىَ: ﴿يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنَ اَشْيَآءَ اِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهاَ حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْهَا وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهَا قَومٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ﴾ (المائدة: 101 - 102)، ففي الآية النهي عن التعمُّق في المسألة والتشديد فيها لِئَلاَّ يكون ذَلِكَ سببا في فرض أحكام جديدة، فنعجز عن الامتثال، فنهلك، أو نقع في الشدَّة.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ»(1). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلاَثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ»، ثُمَّ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ»(2).
(1) البخاري: كِتَاب الاعتصام بِالكِتَابِ وَالسُّنَّة، باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلُّف ما لا يعنيه، رقم 6859، 6/ 2658.
(2) مسلم: كِتَاب الحج، باب فرض الحج مَرَّة في العمر، رقم 1337، 2/ 975.